قال الدكتور أمجد الوكيل، رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق، إن استقلال جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك عن التبعية الإدارية المباشرة لوزارة الكهرباء يُعد ضرورة إصلاحية وهيكلية لا غنى عنها، لضمان استدامة قطاع الكهرباء وتهيئة بيئة تنافسية حقيقية داخل السوق.
وأوضح الوكيل أن هذا الطرح يأتي بالتزامن مع مرحلة انتقالية يشهدها جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، مع انتهاء فترة رئاسة الدكتور موسى عمران وتولي الدكتور علي عبد الفتاح مسؤولية قيادة الجهاز، معتبرًا أن هذه المرحلة تمثل فرصة مناسبة لطرح تساؤل مؤسسي يتجاوز الأشخاص والمناصب، ويتمحور حول كيفية تأسيس منظم كهرباء قوي ومستقل قادر على أداء دوره بكفاءة واستدامة، بغض النظر عن القيادات القائمة.
وأشار إلى أن تطوير قطاع الكهرباء في العصر الحديث لم يعد يقتصر على إضافة قدرات توليد جديدة أو تطوير الشبكات، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بجودة الحوكمة المؤسسية، ووضوح الأدوار بين الجهات المعنية، ومدى استقلال الجهات المنظمة عن الأجهزة التنفيذية.
فصل صناعة السياسة عن تنظيم السوق
وأكد رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق أن النظم الرشيدة عالميًا تقوم على الفصل الواضح بين دور صانع السياسة، الذي تضطلع به الوزارة من خلال وضع الاستراتيجيات القومية والأهداف العامة، ودور الجهة المنظمة التي تتولى مراقبة التطبيق، وضمان العدالة والشفافية، وحماية المنافسة وحقوق المستهلك.
وأوضح أن تبعية الجهة المنظمة إداريًا للوزير المسؤول عن نفس القطاع تخلق تضاربًا بنيويًا في الأدوار، وتحد من قدرة الجهاز على القيام بدوره كحَكَم محايد داخل سوق الكهرباء، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة المستثمرين في استقرار وحيادية القرارات التنظيمية، كما يربك جهود تحرير السوق أو تطبيق آليات تداول الطاقة والنفاذ العادل للشبكة.
النموذج النووي المصري
وضرب الدكتور أمجد الوكيل مثالًا بالتجربة المصرية في القطاع النووي، والتي وصفها بالنموذج الوطني الملهم في الفصل بين الرقابة والتنفيذ. وأوضح أنه في مراحل سابقة كان مركز الأمان النووي تابعًا لهيئة الطاقة الذرية، ما وضع الرقابة والتنفيذ تحت مظلة واحدة، قبل أن تتخذ الدولة قرارًا استراتيجيًا بإنشاء هيئة الرقابة النووية والإشعاعية كجهة مستقلة تتبع رئيس مجلس الوزراء.
وأشار إلى أن هذا الفصل المؤسسي كان أحد الأسباب الرئيسية في تعزيز مصداقية البرنامج النووي المصري أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وضمان الالتزام بأعلى معايير الأمان والشفافية، متسائلًا عن أسباب عدم الاستفادة من هذا النموذج في تنظيم قطاع الكهرباء التقليدي والمتجدد.
ضمانة للاستثمار وحماية الدولة
وأكد الوكيل أن وجود جهة تنظيمية مستقلة يُعد عاملًا أساسيًا لجذب الاستثمارات طويلة الأجل، لما يوفره من استقرار تشريعي وقدرة على التنبؤ بالقرارات، مشددًا في الوقت ذاته على أن الاستقلال التنظيمي يمثل حماية للدولة قبل أن يكون مصلحة للمستثمر.
وأوضح أن الاستقلال يحقق عدة أهداف رئيسية، من بينها ضمان الحياد التنافسي بين شركات الدولة والقطاع الخاص، وبناء تعريفة كهرباء عادلة قائمة على أسس اقتصادية وفنية واضحة، بما يحمي الموازنة العامة ويضمن الاستدامة المالية لشركات القطاع، إلى جانب تعزيز قدرة الجهاز على حماية المستهلك وضمان جودة الخدمة.
وأضاف أن الحديث عن تحرير سوق الكهرباء أو تفعيل تداول الطاقة والنفاذ العادل للشبكة لن يكون ممكنًا دون وجود منظم مستقل وقوي يتمتع بصلاحيات واضحة وإطار تشريعي داعم.
دعوة لإصلاح مؤسسي
واختتم رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق بالتأكيد على أن انتقال القيادة داخل جهاز تنظيم مرفق الكهرباء يجب أن يُنظر إليه كفرصة حقيقية لإعادة فتح ملف الاستقلال المؤسسي على أسس موضوعية، وبمنهج إصلاحي يخدم الدولة قبل أي طرف آخر.
وشدد على أن بناء منظم قوي ومستقل لا يرتبط بالأشخاص، وإنما بإطار قانوني ومؤسسي يضمن استمرارية الدور وحيادية القرار، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي لقطاع الكهرباء يبدأ من المنظومة التشريعية والتنظيمية التي تحكمه، وليس من محطات التوليد فقط، بما يدعم رؤية مصر لمستقبل طاقة مستدامة وعادلة.








