ذكرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أنه مع وصول أزمة جرينلاند إلى ذروتها في الأيام التي سبقت منتدى دافوس، بدأ الأوروبيون يبحثون عن أدوات يمكن استخدامها لتصبح أدوات ضغط في مواجهة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ففي 18 يناير الماضي، قال رئيس أبحاث أسواق الصرف الأجنبي في دويتشه بنك جورج سارافيلوس، لعملاء البنك” إن أوروبا تملك جرينلاند، كما أنها تملك أيضا قدرا كبيرا من سندات الخزانة الأمريكية”، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يصعد الصراع عبر ما وصفه ب “تسليح رأس المال” من خلال تقليص حيازاته العامة والخاصة من أدوات الدين الأمريكية.
وأشارت المجلة الأمريكية إلى أنه بالرغم من تأكيد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن دويتشه بنك لم يعد يدعم تقرير سارافيلوس، إلا أن الأخير لم يكن الوحيد الذي طرح هذه الفكرة.. ففي غضون أيام، قامت بعض صناديق التقاعد الأوروبية بإلغاء أو تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية بشكل كبير، وربما نتيجة لذلك، أصبحت اللغة الأمريكية تجاه أوروبا أقل عدوانية بكثير.
وترى المجلة أنه لا يزال من غير الواضح مدى تأثير التحركات الأوروبية الأخيرة في دفع البيت الأبيض إلى التراجع، لكن الأمر يثير عدة تساؤلات: هل تستطيع أوروبا الاستفادة من “الاعتماد والمصالح المتبادلة” لخوض حرب مالية ضد الولايات المتحدة؟ وما حجم العقبات التي تقف أمامها؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون لمثل هذه الخطوات أثر فعلي؟
وتقول “فورين بوليسي” إن التدفقات المالية والسياسات المالية تعد، بلا شك، من أدوات القوة والضغط، وهناك بعض الأدلة على أن حركة الأموال قد أسهمت في الضغط على الولايات المتحدة العام الماضي..فبعد إعلان ترامب عن فرض تعريفات جمركية واسعة في أبريل، اضطر لاحقا لتعديل مساره جزئيا بعد تلويح أوروبا ضمنيا باستخدام سندات الخزانة، لكن يبدو أن هذا التلويح الضمني كان – في رأي المجلة – تطورا غير مخطط له، وسرعان ما تلاشى.. فعلى الرغم من التراجع الحاد للدولار حينها، والنقاش المتزايد خلال العام الماضي حول احتمال فقدان الولايات المتحدة لوضعها كعملة احتياط عالمية، إلا أن الأدلة تشير إلى أن المخاوف العادية بشأن التضخم وعدم اليقين السياسي هي التي دفعت إلى إعادة توزيع تدريجي للاستثمارات بعيدا عن أمريكا، وليس استجابة منسقة من دول القارة الأوروبية.
وفي هذا الصدد، تساءل مراقبون وخبراء عما إذا كان بإمكان أوروبا فعل المزيد في ظل تجارتها النشطة مع الولايات المتحدة، وصغر أسواقها نسبيا، واعتمادها المتبادل معها؛ الأمر الذي يجعل من فكرة “التسليح المالي” “بعيدة المنال”.
ومع ذلك، فإن إمكانات استخدام التسليح المالي -وفقا للمجلة – موجودة، والتاريخ خير شاهد..ففي العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، استخدمت الحكومات الأوروبية، خاصة فرنسا وألمانيا، التمويل كأدوات ضغط لخدمة مصالحها، كما أنه في لحظة حرجة من الصراع مع روسيا إبان الفترة ذاتها، حظر المستشار الألماني أوتو فون بسمارك (مؤسس الوحدة الألمانية) على بنك الرايخ قبول الأوراق المالية الروسية كضمان. وبعد الحرب مع فرنسا عام 1870-1871، تم فرض “حظر رسمي” لمنع المستثمرين الفرنسيين من ضخ أموالهم في ألمانيا.
وعليه، ترى المجلة الأمريكية أن ساحة المعركة الرئيسية في هذا النوع من التسليح في عالمنا اليوم هي أسواق الديون السيادية أو بمعنى أدق سندات الخزانة الأمريكية. فسندات الخزانة هي القلب النابض للتمويل الدولي، حيث إن سوقها ضخم وعميق وسهل التداول، وتشكل العمود الفقري لتدفقات المال العالمية وقناة رئيسية للعرض والطلب في الأسواق المحلية حول العالم.
وترتبط تقريبا جميع الأسواق المالية الوطنية بسوق الخزانة الأمريكية، ما يسهل قدرة واشنطن على الاقتراض، وهذا يجعلها في الوقت نفسه هدفا محتملا للضغط الأوروبي، وإن كان هدفا شديد الحساسية، إذ يصعب شن ضغط لا يرتد أثره على الاتحاد الأوروبي نفسه، لاسيما وأن جزءا كبيرا من ملكية الأوروبيين لهذه السندات موجود في أيدي القطاع الخاص الذي يصعب التحكم فيه.
وقالت “فورين بوليسي” إنه رغم ذلك، إذا تمكن بيروقراطيون أذكياء في البنك المركزي الأوروبي أو مؤسسات الاتحاد الأوروبي من إيجاد الثغرات المناسبة، فإن الصناديق الأوروبية قد تتحرك تبعا لذلك، وتتمكن من استخدام سندات الخزانة كأداة ضغط شديدة على واشنطن عند الحاجة.
كما يمكن لأوروبا تعزيز موقعها عبر التخطيط المشترك، وخلق بديل واضح لسوق الخزانة الأمريكية، وبناء عمود فقري أقوى للتمويل والاستثمار والنمو الاقتصادي.
وختاما، شددت “فورين بوليسي” على أنه رغم المسار الخاص باستخدام الأدوات المالية كسلاح، إلا أنه لا ينبغي التحرك في هذا الاتجاه، حيث إن المسار الأفضل هو العودة إلى التفاوض ودعم نظام دولي قائم على القواعد بدلا من الانزلاق إلى فوضى تنافس دولي غير مفيد لكافة الأطراف.








