في الوزارات ذات الطابع التقني، لا يكون النفوذ الحقيقي دائمًا في موقع الخطاب أو الواجهة، بل في القدرة على إدارة التفاصيل التي لا تظهر للعلن.
وفي وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يُعد المهندس رأفت هندي واحدًا من أبرز هذه النماذج؛ قيادي يعمل في العمق، حيث تُصاغ البنية التحتية التي يقوم عليها مشروع التحول الرقمي المصري.
من الهندسة إلى الإدارة التنفيذية
تدرّج رأفت هندي داخل منظومة الاتصالات المصرية عبر مسار مهني طويل، جعله من القلائل الذين جمعوا بين الفهم الهندسي الدقيق والإدارة التنفيذية المعقّدة. ومع توليه منصب نائب وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات للبنية التحتية والتحول الرقمي، إلى جانب قيامه بأعمال الوكيل الدائم للوزارة، بات في موقع يربط بين الرؤية الاستراتيجية للدولة وآليات التنفيذ على أرض الواقع.
هذا الموقع لا يمنحه سلطة شكلية، بقدر ما يضعه في مواجهة يومية مع ملفات ثقيلة تتعلق بتطوير الشبكات القومية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وربط مؤسسات الدولة ببنية رقمية موحدة.
إدارة التفاصيل الثقيلة
يعرف من تعاملوا مع رأفت هندي أنه ينتمي إلى مدرسة “الإدارة بالتفاصيل”، حيث لا تُترك الملفات الكبرى لتدار بعناوين عامة. فهو يتعامل مع التحول الرقمي باعتباره منظومة مترابطة تبدأ من الكابلات والألياف الضوئية، ولا تنتهي عند التطبيقات الذكية.
هذا النهج جعله أحد أكثر القيادات التنفيذية إلمامًا بالجانب التشغيلي داخل الوزارة، وقادرًا على التنسيق بين جهات حكومية متعددة، وشركات اتصالات، وشركاء دوليين، في ملفات تتطلب دقة فنية وحسًا مؤسسيًا عاليًا.
عقلية الاستمرارية لا الإنجاز السريع
ما يميز تجربة رأفت هندي هو تركيزه على استدامة المشروعات أكثر من البحث عن إنجازات سريعة. فملفات البنية التحتية الرقمية، في رؤيته، لا تُقاس بسرعة الإطلاق، بل بقدرتها على الاستمرار والتطور دون الحاجة إلى إعادة البناء.
ومن هنا جاء اهتمامه بوضع المعايير القياسية للبنية التحتية التكنولوجية للجهاز الإداري للدولة، والإشراف على تنفيذها، بما يضمن جاهزية الشبكات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية للتوسع المستقبلي، خاصة مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي والنظم الذكية إلى قلب العمل الحكومي.
امتداد لمدرسة بناء الدولة الرقمية
ينتمي رأفت هندي إلى جيل القيادات التي تشكلت في مرحلة تأسيس قطاع الاتصالات الحديث في مصر، وتأثرت بمدرسة الدكتور طارق كامل، وزير الاتصالات الأسبق، التي قامت على ربط التكنولوجيا بالتنمية الاقتصادية وبناء المؤسسات، لا الاكتفاء باستيراد الحلول.
وقد انعكس هذا الإرث في أسلوبه الإداري القائم على التخطيط طويل المدى، وبناء القدرات المحلية، وتوطين تقنيات البنية التحتية الحديثة، من شبكات الألياف الضوئية إلى شبكات الجيل الخامس.
موقعه داخل الوزارة
داخل وزارة الاتصالات، يُنظر إلى رأفت هندي بوصفه أحد أعمدة الاستقرار المؤسسي، وصاحب دور محوري في ضمان استمرارية المشروعات الاستراتيجية، بغض النظر عن تغير القيادات أو الأولويات المرحلية. كما يُحسب له بناء فرق عمل قادرة على التعامل مع المشروعات المعقدة، وإدارة الأزمات التقنية دون ضجيج.
بين الدولة والتكنولوجيا
في النهاية، لا يُقدَّم رأفت هندي كـ “وجه إعلامي”، بل كأحد المهندسين التنفيذيين الذين يعملون في المساحة الأصعب بين الدولة والتكنولوجيا. مساحة تتطلب فهمًا عميقًا للتقنية، وحسًا سياسيًا–مؤسسيًا، رؤية طويلة المدى لما يجب أن تكون عليه البنية الرقمية لمصر خلال العقد المقبل. وهي أدوار لا تُرى بسهولة، لكنها تُشكّل الفارق الحقيقي في نجاح أي مشروع وطني للتحول الرقمي.








