سالم الكتبى يكتب: مأزق أردوغان فى سوريا

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

نقلًا عن «إيلاف»

لم يكن أكثر المراقبين فهمًا لسياسات الرئيس أردوغان، المتناقضة أحيانًا والمرتبكة أحيانًا أخرى، يتوقع أن يخطئ هذه المرة فى الرهان على استقطاب دعم عسكرى أمريكى من أجل مواجهة روسيا على الأراضى السورية. الواقع يقول إن الرئيس أردوغان قد أوقع نفسه فى مأزق استراتيجى حاد للغاية بكثرة التهديد والوعيد وتقديم تعهدات هو أول مَن يدرك صعوبة تنفيذها أو بالأحرى استحالته، وفى مقدمتها التأكيد المتكرر على عدم التراجع «ولو خطوة واحدة» فى سوريا، وبالتالى لم يكن أمامه لحفظ ماء الوجه سوى استجداء الحلول ومخرج من عنق الزجاجة، الذى وضع نفسه والقوات التركية فيه عبر بوابة الكرملين.

ولا أدرى كيف لرئيس عاقل أن يواصل فتح ملفات الصراع والتورط على جبهات عدة فى ليبيا وسوريا، واقتصاد بلاده فى أسوأ حالاته، ويبدو لى أنه لا تفسير لذلك سوى الرغبة فى استغلال الشعور القومى التركى وإلهابه من خلال افتعال أزمة خارجية تثير الغبار وتصرف الأنظار عن انهيار شعبيته داخليًا، ولكنه لا يدرك أنه يحفر قبره السياسى بقراراته العشوائية المتسارعة وتصريحاته العدائية، التى لم تترك له صديقًا ولا حليفًا يُعْتَدّ به إقليميًا أو دوليًا. وكيف لرئيس مُحنَّك أن يغامر بوضع بلاده على خارطة الدول التى تشهد حروبًا وصراعات، فى وقت كان الاقتصاد التركى يجنى فيه عشرات المليارات من الدولارات من عوائد السياحة والتبادل التجارى؟

المؤكد أن أردوغان لن يغامر بمواجهة عسكرية مع روسيا فى سوريا، فهو على دراية كاملة بالفارق الهائل فى توازنات القوى العسكرية بين الجانبين، وأن المسألة تتجاوز فكرة التفوق الجوى الروسى فى سوريا، وأن هذه المغامرة التركية- لو حدثت- فستكون كارثة حقيقية فى التاريخ العسكرى التركى.

السؤال الذى يطرح نفسه ويتكرر كثيرًا بين المحللين هو: هل تسبب أردوغان فى وقوع تركيا فى مستنقع من خلال سياساته ورهاناته الخاطئة فى سوريا؟ الجواب هو نعم مؤكدة لأسباب عدة، أولها أنه لم يُحْسن قراءة عقلية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وبالغ فى الرهان على دعم أمريكى عسكرى فى مواجهة روسيا إذا تطلب الأمر ذلك، حتى إن القوات التركية المتمركزة فى سوريا باتت فى مرمى النيران السورية، بدعم من الطيران الروسى، وأصبحت فى وضع عسكرى لا تُحسد عليه! وثانيها أنه أخطأ فى تقدير حسابات المصالح الاستراتيجية الروسية فى سوريا، وتخيل أن هناك مجالًا للمساومة على مستقبل هذا البلد العربى وانتزاع نصيبه من «الكعكة»، وأن الرئيس بوتين يمكن أن يسمح لتركيا بالاستفادة مما حققه الدعم الروسى العسكرى لنظام الأسد طيلة سنوات مضت منذ بداية الأزمة فى سوريا، وثالثها أن أردوغان رفع سقف توقعات الشعب التركى بتصريحاته المتكررة حول التدخل التركى فى سوريا، وبات فى مأزق حقيقى صعب بسبب تقاطر جثامين الجنود الأتراك من سوريا، فضلًا عن تفاقم أزمة اللاجئين السوريين بسبب ما يحدث فى إدلب، وانهيار حلم أردوغان وانقلاب خططه إلى تدفقات إضافية للاجئين بدلًا من تصريحاته حول إعادة معظم الموجودين منهم فى تركيا إلى بلادهم! لا يدرك أردوغان أن الخيط الرفيع و«شعرة معاوية» التى تربط تركيا وروسيا قد باتت على وشك التمزق، وأن غطرسته قد تشعل الحرب السادسة عشرة فى تاريخ العلاقات التاريخية الصعبة بين روسيا وتركيا، وهو أمر مستبعد نظريًا على الأقل، ولكن قد يحدث ما لا يقل سوءًا، وهو تجرد أردوغان من حلفائه وانكشافه داخليًا وخارجيًا، حيث بات زعيمًا على حافة الهاوية السياسية.

0 تعليق