عصا التأديب.. والثورة الثقافية

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

عادت عصا الوصاية على الأخلاق الحميدة.. والفضيلة المنتهكة والتى تبكى وتنتحب حزنًا على ما آل إليه حال الفن فى بلادنا من الابتذال والسفه أدى إلى تراجع القيم المرعية والمبادئ الراسخة.. عادت تلك الوصاية فى محاولة لفرض وجودها من جديد من خلال غضبة الفنان «هانى شاكر» نقيب المهن الموسيقية المتصاعدة لإصدار قرارات صادمة لردع الانفلات الأخلاقى.. وبالتالى الحث على مكارم الأخلاق.. والإبداع النظيف.. واتخذت هذه القرارات لمنع ظهور مطربى المهرجانات وعلى رأسهم «محمد رمضان» الممثل والمغنى بما يمثله كنموذج صارخ لانقلاب السلم القيمى فى المجتمع، متمثلًا فى تحول خطير فى السلوك الأخلاقى تحدث عنه الدكتور «جلال أمين» فى كتابه (ماذا حدث للمصريين؟).

فسينما العنف كما نراها فى أفلام «محمد رمضان» تأتى انعكاسًا لما مر به المجتمع المصرى خلال نصف القرن الماضى من تغييرات عميقة قلبت أمورًا كثيرة رأسًا على عقب، حيث شهدت مصر معدلات غير مسبوقة فى تاريخها الحديث للحراك الاجتماعى فتغير التكوين الطبقى للمجتمع بصعود شرائح اجتماعية كانت فى أسفل السلم الاجتماعى، وهبوط شرائح كانت فى أعلى السلم، وكتاب (ماذا حدث للمصريين؟) يصف هذه التغيرات التى طرأت على جوانب عديدة من الحياة الاجتماعية ومنها الفنون والسينما والتى أفرزت مناخًا متدنيًا لتذوق الفنون الهابطة والتى تشمل أيضًا الأغانى المبتذلة فى محتواها السلوكى كالتى يقدمها «حمو بيكا» و«الونش» وأخيرًا «شاكوش» مضافًا إليها ما يؤديه «محمد رمضان» على المسرح من أغان فجة ومظهر قبيح منذ أن خرج على الجمهور بصدره عاريًا تتدلى منه (الشخاليل)، مرتديًا نظارة شمسية وبرفقته سيارتان وموتوسيكل.

أما فى سينما العنف فهو يتجرد فى الشخصيات التى يقدمها من ثوابت القيم والمبادئ بالانتقام الفردى الذى يستخدم فيه الأسلحة النارية والسنج والمطاوى بضراوة لتحقيق مآرب شخصية، بالإضافة إلى تدنى المحتوى الدرامى والمغزى الاجتماعى والنفسى والإنسانى كما فى أفلام (عبده موتة) و(الديزل) و(قلب الأسد) و(جواب اعتقال)، وكلها تنتمى إلى بيئة العشوائيات لما لها من دلالات مهمة تفيدنا فى التحليل النقدى للخطاب السينمائى.. وفيما سبق أن طرحته عن تلك (اللخبطة الطبقية) فى المجتمع المصرى.

تصنع هذه (اللخبطة الطبقية) جمهورها العريض الذى يحاكيها فى الإسفاف كما يحاكيها فى آليات التذوق الفنى المنحدر.. وفى لغة جديدة من عبارات منحطة تعادى الرقى وتكره البلاغة فى لغتنا العربية الجميلة فتستخدم مفردات قبيحة لكلمات سوقية.. كما تزدرى الجمال فى سمو فنون الشعر التى تحتفى بالبيان والبديع.. وتسخر من الفنون التشكيلية المعاصرة والموسيقى المحلقة.. ويعبر الدكتور «طلعت حكيم» الباحث الاجتماعى عن واقع هذا الاحتفاء الجماهيرى بأنه يسبب المشكلات التى يواجهها البشر فى حياتهم اليومية والتفاوت الطبقى الذى ينمى بينهم المشاعر العدائية.. ونتيجة الإحساس بالدونية الاجتماعية بالمقارنة بالآخرين الذين يعيشون فى الأحياء الأخرى فينعكس ذلك احتفالًا بالقبح والفظاظة والعدوان.. ومن هنا فإنه رغم انحطاط المستوى الفنى والفكرى لتلك الأفلام الدموية والميلودرامية التى تحقق إيرادات كبيرة لـ «رمضان» ومن على شاكلته.. وكذلك المطربون العشوائيون فأغانيهم تعكس نجاحًا جماهيريًا ورواجًا تجاريًا مما يشكل خطورة واضحة على الأمن القومى لأى مجتمع سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.

لذلك فإنى أختلف مع قرارات المنع والحجب والتحريم والتجريم وفرض الوصاية باسم الأخلاق لأن الأزمنة تمثل فى جوهرها أبعادًا أعمق ينبغى دراستها من خلال الدراسات الاجتماعية والنفسية.. بل من خلال أيضًا ماهية الفنون بصفتها (الجمالية) لا بصفتها (الأخلاقية)، فمحاكمة الفنون محاكمة سلوكية وأخلاقية ليست هى الحل الناجع لكى تنهض من كبوتها وتراجعها الحضارى لتصبح بعصا التأديب السحرية فنونًا راقية تتسلح بالسجايا العطرة من سماحة الخلق التى تنبذ كل بذاءة فى القول وابتذال فى الفعل وقبح فى الرؤية.

إن الخطاب الفنى هو خطاب جمالى وليس خطابًا أخلاقيًا فالفنون تخضع لمعايير ومناهج فلسفة الجمال ونظريات مفكريها المتنوعة والمختلفة والمعقدة والتى لا علاقة بها من قريب أو بعيد لقواعد وشروط القيم الأخلاقية لأسباب مختلفة.. إن الفن يمثل عالمًا خياليًا غير واقعى.. وشخوصه يجسدها خيال مؤلف هو الذى يعطيها من روحه سر وجودها وبالتالى فإن سلوكها له منطقه الخاص الذى قد يتوافق مع الأخلاق المرعية أو يتناقض معها.. ولو طبقنا عليه الشروط الأخلاقية لقتلنا الإبداع وقضينا على سحر الفن الحقيقى وعمقه الأخاذ.

أما القضاء على الإسفاف والابتذال والقبح والانحطاط الفنى فيحتاج فى نبذه وإقصائه إلى ثورة ثقافية وإعلامية تعيد للفنون سيادتها وبريقها وأهميتها من خلال نهضة شاملة ومناخ ثقافى مختلف يحتفل بالأعمال الفنية الجيدة.. ويعلى من شأن الفنون الراقية.. وتتضافر الدولة مع رموز الفن الحقيقى فى ازدهاره من جديد.

[email protected]

0 تعليق