تبدو غزة اليوم كمدينة خرجت من قلب زلزال لم تعرف له البشرية مثيلًا منذ الحرب العالمية الثانية.. دمار شامل طال البشر والحجر، والبنية التحتية التي كانت أصلًا هشة، تحولت إلى أطلال تنتظر بعثًا جديدًا.. الحديث عن إعادة إعمار غزة لم يعد مجرد عنوان إنساني أو شعار سياسي، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم، وقدرته على تحويل الألم إلى أمل، والرماد إلى حياة.
تُشير الأرقام الصادرة عن البنك الدولي والأمم المتحدة، إلى أن حجم الدمار في القطاع تجاوز 18.5 مليار دولار حتى بداية العام الجاري، وهو رقم مذهل في إقليم لا تزيد مساحته عن 365 كيلومترًا مربعًا.. أكثر من 62 % من المساكن دُمرت أو تضررت، أي ما يقارب 290 ألف وحدة سكنية خرجت من الخدمة، وترك ذلك نحو مليون ونصف المليون إنسان بلا مأوى، فيما تم تدمير ما يقرب من 305 منشأة تعليمية، و84 % من المرافق الصحية، ولم تسلم محطات المياه ولا شبكات الكهرباء ولا الطرق من القصف والخراب.
وتشير التقارير كذلك إلى أن 26 مليون طن من الأنقاض تغطي شوارع غزة، وهي كمية تكفي لملء أكثر من مئة ملعب كرة قدم، وتحتاج إلى سنوات من العمل لإزالتها.
لكن الكارثة ليست في الأرقام وحدها، بل في حقيقة أن هذه الأرقام تتجدد كل يوم.. كل حجر يُهدم يحتاج إلى سنوات لإعادة بنائه، وكل بيت يُقصف يترك خلفه جرحًا في ذاكرة وطن. ومع ذلك، فإن مشهد الإصرار الفلسطيني يبقى العنصر الأكثر ثباتًا وسط هذا الركام.. فالناس الذين فقدوا كل شيء، ما زالوا يحلمون بإعادة بناء مدينتهم، وبأن تكون هذه المرة بداية مختلفة: إعمارٌ يعيد الحياة لا مجرد ترميمٍ للخراب.
تقدّر الأمم المتحدة، أن كلفة إعادة إعمار غزة والضفة الغربية ستبلغ نحو 53.2 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها حوالي 30 مليارًا لإعادة بناء البنية التحتية والمنازل والمرافق العامة.
هذه الأرقام تكشف أن غزة تحتاج إلى ما هو أكثر من أموال المانحين، فهي تحتاج إلى رؤية متكاملة تُدرك أن الإعمار ليس فقط بناء جدران، بل إعادة صياغة للحياة.. فالإعمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، بالوعي والتعليم والعمل، قبل أن يبدأ بالإسمنت والحديد.
إن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة ليس ماليًا فقط، بل سياسي ولوجستي أيضًا. فمن دون توافق سياسي حقيقي يضمن حرية الحركة وإدخال المواد، لن تتحقق أي عملية إعمار ذات معنى.. تجارب الماضي تؤكد أن الوعود الكثيرة لم تُترجم إلى إنجازات، وأن ملايين الدولارات التي تعهدت بها الدول المانحة غالبًا ما تعثرت عند البوابات المغلقة والاشتراطات السياسية. لذلك، فإن نجاح إعادة إعمار غزة مرهون بإرادة دولية حقيقية، تضع المعاناة الإنسانية فوق الحسابات الضيقة.
وفي هذا السياق، من المهم أن تتحول عملية الإعمار إلى مشروع وطني شامل، يدمج بين المساعدات الخارجية والقدرات المحلية.. يمكن لغزة أن تصبح نموذجًا للتنمية المستدامة في بيئة ما بعد الحرب إذا استُخدمت التقنيات الحديثة في البناء، والطاقة الشمسية في الإنارة، وإعادة تدوير الأنقاض في تشييد البنية الجديدة. فالإعمار الذكي الذي يراعي الاستدامة والبيئة يمكن أن يحوّل التحدي إلى فرصة، ويجعل من غزة مختبرًا حقيقيًا لإرادة الشعوب في النهوض من تحت الركام.
لكن لا يمكن تجاهل أن كل هذا مرهون بتوافر الاستقرار الأمني والسياسي.. فالإعمار في ظل الحصار والحروب المتكررة أشبه ببناء بيت من الرمل على شاطئ مضطرب.. لا بد من ضمان وقف دائم لإطلاق النار، وترتيبات إدارية واقتصادية تسمح بتدفق المواد والعمال والخبراء بحرية، وإشراف شفاف على التمويل الدولي لضمان وصوله إلى مستحقيه لا إلى جيوب الفساد.. كما يجب أن تكون الأولوية لإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمساكن، باعتبارها الأساس الذي يضمن صمود المجتمع في مواجهة أي انتكاسة قادمة.
الحديث عن غزة ليس حديثًا عن جغرافيا محدودة المساحة، بل عن ضمير الإنسانية جمعاء.. فكل دولار يُدفع في إعمارها هو استثمار في الاستقرار الإقليمي، وكل بيت يُبنى فيها هو خطوة نحو سلام حقيقي.. لذلك، يجب على الدول العربية، وعلى رأسها مصر وقطر والسعودية والإمارات، أن تنسّق جهودها لإطلاق صندوق إعمار عربي مشترك، يكون أكثر كفاءة وشفافية من آليات الدعم السابقة.. كما ينبغي على الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أن يربطا المساعدات بخطط تنمية طويلة الأمد، لا ببرامج إغاثة مؤقتة.
لقد أثبتت الحروب المتكررة على غزة أن المعالجات الجزئية لا تصنع حلولًا دائمة.. لا يمكن فصل الإعمار عن التنمية، ولا التنمية عن الاستقرار السياسي. لذلك، فإن أي رؤية مستقبلية لغزة يجب أن تقوم على ثلاث ركائز متوازية: إعادة البناء، تحقيق الاستدامة، وضمان الكرامة. من دون هذه العناصر، سيبقى الإعمار مجرد دورة مكررة من الهدم والبناء.
في نهاية المطاف، ما تحتاجه غزة ليس فقط المساعدات، بل العدالة.. العدالة التي تعني أن يعيش الإنسان الفلسطيني في بيته آمنًا، وأن يذهب طفله إلى المدرسة دون خوف، وأن يجد في بلده فرصة للحياة الكريمة.. إعادة الإعمار هي بداية الطريق، لكنها ليست نهايته. فالبناء الحقيقي هو بناء الإنسان قبل الحجر، وبناء الوعي قبل الجدران.. وغزة، التي نجت من النار مرارًا، قادرة أن تنهض من الرماد مرة أخرى، لتقول للعالم: ما زلنا هنا، نبني رغم الألم، ونحلم رغم الحصار، ونؤمن أن تحت الركام حياة تنتظر من يحررها.







