واصلت أسعار العقود الآجلة للنحاس صعودها القوي في ختام تعاملات اليوم الثلاثاء ببورصة لندن للمعادن، لتسجل مستوى قياسيًا جديدًا متجاوزة حاجز 13 ألف دولار للطن للمرة الأولى، في ظل مراهنات متزايدة من المستثمرين على استمرار تشديد المعروض العالمي، إلى جانب مؤشرات متنامية على تحسن شهية المخاطرة في الأسواق.
ويأتي الارتفاع الأخير امتدادًا لموجة صعود ممتدة منذ أسابيع، مدعومة بعوامل عدة؛ في مقدمتها توقعات بنقص المعروض نتيجة اضطرابات الإنتاج في عدد من المناجم الرئيسية، وتباطؤ وتيرة المشروعات الجديدة، فضلًا عن القيود البيئية والتشريعية التي تواجه عمليات التوسع في التعدين. ويرى محللون أن هذه العوامل مجتمعة تعزز قناعة المستثمرين بأن السوق يتجه إلى فترة من “العجز الهيكلي” في الإمدادات.
وفي المقابل، تزامن صعود النحاس مع إشارات على تعافٍ تدريجي في الطلب الصناعي، خاصة من القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، مثل السيارات الكهربائية وشبكات تخزين الطاقة ومشروعات التوسع في البنية التحتية. وتُعد هذه القطاعات من أكبر المستهلكين للنحاس، الذي يُوصف غالبًا بأنه “بارومتر الصناعة” نظرًا لحساسيته لحركة النشاط الاقتصادي العالمي.
وتشير تقارير الأسواق إلى أن المستثمرين الكبار وصناديق التحوط كثّفوا مراكز الشراء على المعدن الأحمر، وسط توقعات بأن الأسعار قد تحافظ على اتجاهها الصعودي في المدى المتوسط إذا لم تشهد الإمدادات انفراجًا ملموسًا. ومع ذلك، يحذر بعض الخبراء من أن ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية قد يفتح الباب أمام موجات جني أرباح قصيرة الأجل، خاصة إذا طرأت مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد في الولايات المتحدة أو الصين.
وتبقى سياسات البنوك المركزية عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة، إذ إن أي إشارات على خفض أسعار الفائدة قد تدعم الطلب على السلع الأساسية والمعادن الصناعية، عبر تقليص تكلفة التمويل وتحفيز الاستثمارات. في المقابل، قد يؤدي تشديد السياسة النقدية إلى كبح شهية المستثمرين للمخاطرة، ما يضغط على الأسعار مؤقتًا.
على الصعيد ذاته، ترى مؤسسات بحثية أن التحولات العالمية نحو الاقتصاد منخفض الكربون تضع النحاس في قلب المعادلة خلال السنوات المقبلة، بفضل دوره المحوري في شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة والانتقال إلى النقل الكهربائي. وتُرجح هذه المؤسسات أن تظل الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا حتى مع حدوث تصحيحات محدودة، في ظل محدودية البدائل وارتفاع تكلفة التوسع في الإنتاج.
ومع تسجيل النحاس لمستوى قياسي جديد، تتجه أنظار المستثمرين إلى تطورات المعروض في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، بجانب تحركات الشركات الكبرى لإبرام شراكات واستثمارات جديدة. كما يترقب المتعاملون بيانات اقتصادية قادمة قد توفر إشارات أوضح بشأن قوة الطلب العالمي، وما إذا كانت موجة الصعود الراهنة ستستمر خلال الفصول المقبلة.








