يُعدّ السكن المشترك أحد أهم صور التعايش الإنساني، حيث يفترض أن يقوم على الاحترام المتبادل، والالتزام بالقانون، ومراعاة حقوق الآخرين. إلا أن هذا التوازن قد يختل بظهور ما يُعرف اجتماعيًا بـ الجار البلطجي؛ وهو الشخص الذي يتعامل بأسلوب عدواني أو متسلّط، متجاوزًا حدود القانون والأعراف، ومعتقدًا أن فرض الرأي بالقوة أو الإزعاج هو وسيلة مشروعة لتحقيق ما يريد.
الجار البلطجي لا يعترف بمبدأ الشراكة في المكان، ولا يؤمن بأن الحقوق متساوية بين الجميع. يتعامل بمنطق الأمر الواقع، ويستخدم الضوضاء أو التهديد أو الاستفزاز وسيلة للضغط، مستندًا في ذلك إلى خوف الآخرين من الدخول في نزاعات أو مشاكل. وهذا السلوك لا يمثل فقط اعتداءً على الأفراد، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي داخل أي تجمع سكني.
من الناحية القانونية، فإن مثل هذه التصرفات تُعد مخالفات صريحة للقوانين المنظمة للعلاقات بين الجيران، سواء تعلّق الأمر بالإزعاج، أو التعدي اللفظي، أو التهديد، أو استخدام المرافق المشتركة بشكل يضر بالغير. فالقانون وُجد ليحمي الجميع دون استثناء، ولا يمنح أي فرد حق فرض رأيه أو سلوكه على الآخرين خارج إطار الشرعية.
وتكمن الخطورة الحقيقية في التهاون مع هذه الممارسات، إذ إن الصمت المستمر قد يُفسَّر على أنه قبول، ما يشجع على تصعيد السلوك العدواني. لذلك، فإن المواجهة الواعية لا تكون بالصدام أو العنف، بل بتوثيق المخالفات، والتكاتف المجتمعي، واللجوء إلى القنوات القانونية الصحيحة التي تضمن استرداد الحقوق دون الإضرار بالأطراف الأخرى.
إن الاختلاف في الآراء أمر طبيعي، بل صحي في أي مجتمع، لكن إدارته يجب أن تتم بالحوار والاحترام، مع الالتزام بمبدأ الأغلبية دون إقصاء رأي الفرد، ودون أن يتحول هذا الرأي إلى أداة لفرض السيطرة أو خلق الفوضى. فالقوة الحقيقية لا تكمن في الصوت العالي، بل في احترام القانون، والقدرة على التعايش السلمي.
ختامًا، فإن مواجهة ظاهرة الجار البلطجي مسؤولية مشتركة تبدأ بالوعي، وتمر بالتماسك المجتمعي، وتنتهي بتفعيل القانون. فالمكان الذي يُدار بالعدل والاحترام يظل آمنًا ومستقرًا، أما الذي تُترك فيه البلطجة دون ردع، فلن يحصد سوى النزاعات وفقدان الطمأنينة.
الهدوء وعي،
والقانون حماية،
والاحترام أساس أي مجتمع سكني ناجح.
✍️ أمير سعيد







