11
بعد سنوات من الضغوط يمر الاقتصاد المصري بمرحلة إعادة ترتيب، بما يفرض تحديات على المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه يعكس أن السوق تعيد بناء نفسها على قواعد أكثر استقرارًا وقدرة على الاستمرار.. هكذا لخص هشام أكرم، المؤسس الرئيس التنفيذي لشركة «جرانيت القابضة» توصيفه للوضع الاقتصادي والاستثمار في السوق المصرية.
أكرم أشار، في حوار خاص مع «مصر24»، إلى أن هذه المرحلة أعادت ترتيب أولويات الأفراد والشركات، فلم يعد البحث عن العائد وحده كافيًا، بل أصبحت المعادلة الأكثر إلحاحًا هي الحفاظ على قيمة الأموال مع ضمان سرعة الوصول إليها في أي وقت، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام بمنتجات إدارة السيولة وإدارة النقدية المؤسسية.
أضاف أن المرحلة المقبلة ستفرض على شركات الاستثمار التعامل مع تقلبات الأسواق عالميًا ومحليًا، خاصة ما يتعلق بدورات أسعار الفائدة واتجاهات التضخم، إلى جانب تحدي بناء الثقة والمحافظة عليها مع توسع الاعتماد على القنوات الرقمية ودخول شرائح جديدة إلى الاستثمار.
وفي هذا السياق، أكد أن «جرانيت القابضة» تستهدف خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة التحول إلى منصة استثمارية متكاملة تقود مسار التكنولوجيا النقدية في مصر تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية، عبر تعميم نموذج إدارة النقد اليومي للأفراد والشركات من خلال «حساب جرانيت يوم بيوم»، والتوسع في إدارة الأصول بإطلاق صناديق مبتكرة ومتعددة العملات.
وكشف أكرم عن الاستعداد لإطلاق «صندوق جرانيت يوم بيوم الدولاري» خلال النصف الأول من 2026، إلى جانب دراسة إطلاق صندوق عقاري بعائد دوري وصندوق تأمين، مؤكدًا أن الرخصة المنظمة للفنتك تمثل حجر أساس في نموذج العمل بما يعزز الشفافية والأمان ويضمن تجربة مستقرة قادرة على بناء ثقة العملاء واستدامتها، وإلى نص الحوار:-
في البداية.. كيف تنظرون إلى مستقبل الاقتصاد المصري وتأثيره على نشاط إدارة الأصول والصناديق الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة؟
المشهد الاقتصادي في مصر يمر بمرحلة إعادة ترتيب طبيعية بعد سنوات من الضغوط، وهي مرحلة قد تحمل تحديات واضحة على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه تعكس أن السوق تعيد بناء نفسها على قواعد أكثر استقرارًا وقدرة على الاستمرار.. هذا التحول يولِّد مساحة أوسع أمام نشاط إدارة الأصول والصناديق، لأن احتياجات الأفراد والشركات لم تعد تقتصر على البحث عن عائد فقط، بل باتت تدور حول معادلة أكثر حساسية: الحفاظ على قيمة الأموال مع إمكانية الوصول إليها بسرعة وفي أي وقت.
ومن هنا تزداد أهمية منتجات إدارة السيولة وإدارة النقدية المؤسسية، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة ترك النقد دون توظيف، فكل يوم تبقى فيه السيولة “ساكنة” يعني فرصة ضائعة، وهو ما يدفع السوق تدريجيًا نحو أدوات استثمارية منظمة وخاضعة للرقابة يمكنها تحويل هذه الأموال إلى عائد يومي تراكمي دون أن تفقد عنصر المرونة.
وفي هذا الإطار، لا يصبح الدور الأساسي للصناديق مجرد تحقيق عائد، وإنما توفير آلية عملية لإدارة النقد بكفاءة أعلى- متابعة مستمرة للأموال، قدرة واضحة على التحكم، وسهولة السحب والإيداع دون إجراءات طويلة أو تعقيدات إدارية، وبما يتوافق مع إطار تنظيمي واضح تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية.
ما توقعاتكم لأداء سوق إدارة الأصول والصناديق الاستثمارية في مصر خلال العام الجاري؟
السوق مرشحة لمسار نمو تدريجي قوي خلال العام الجاري، مدفوعًا بتغير سلوك المستثمرين وتبدل أولويات الشركات في إدارة السيولة.. فالاتجاه العام أصبح أكثر وضوحًا- سيولة مرنة لا تتعطل، وفي الوقت نفسه عائد تنافسي يحمي قيمة الأموال ويعوض تكلفة الانتظار، ولذلك ارتفع الطلب على الأدوات التي تمنح هذا التوازن، خاصة مع زيادة وعي العملاء بأن ترك النقد دون توظيف لم يعد خيارًا مريحًا في بيئة تتغير فيها الأسعار والتوقعات بسرعة.
العامل الحاسم هنا لن يكون حجم الأموال المتاحة فقط، بل سهولة الوصول للمنتج وثبات التجربة اليومية.. فالمنتج الذي ينجح هو الذي يجعل العائد واضحًا ومفهومًا في كل يوم، ويحول إدارة السيولة إلى خطوة بسيطة يمكن التعامل معها بسلاسة، وليس قرارًا معقدًا مرتبطًا بإجراءات كثيرة أو زمن تنفيذ طويل.
من وجهة نظرك.. ما أبرز التحديات التي قد تواجه شركات الاستثمار في المرحلة المقبلة؟
أبرز التحديات تتمحور حول إدارة التقلبات على مستويين متوازيين: تقلبات الأسواق العالمية من ناحية، وتغيرات البيئة المحلية من ناحية أخرى، خصوصًا فيما يتعلق بدورة أسعار الفائدة، واتجاهات التضخم، وتبدل تفضيلات العملاء، هذا الوضع يفرض على شركات الاستثمار أن تكون أكثر مرونة وسرعة في التكيف، مع الحفاظ على وضوح المنتج وثبات أدائه.
وفي قلب هذه التحديات يظل بناء الثقة والمحافظة عليها هو الملف الأكثر أهمية، خاصة مع توسع الاعتماد على القنوات الرقمية ودخول شرائح جديدة إلى الاستثمار، ونجاح أي شركة في هذه المرحلة يرتبط بقدرتها على تقديم تجربة مستقرة وشفافة، مع حماية قوية للبيانات وأمن سيبراني فعال، وبنية تكنولوجية قادرة على تنفيذ سريع دون أعطال أو تعقيدات، لأن أي اهتزاز في التجربة ينعكس مباشرة على ثقة العميل واستمراريته.
في إطار تلك الرؤية، ما ملامح استراتيجية «جرانيت القابضة» خلال 3 إلى 5 سنوات مقبلة وما الأنشطة التي ستتقدم أولويات الشركة؟
الهدف خلال السنوات المقبلة هو التحول إلى منصة استثمارية متكاملة تقود مسار تطوير قطاع التكنولوجيا النقدية في مصر، عبر الجمع بين خبرة استثمارية عملية وبنية رقمية قادرة على إدارة السيولة بكفاءة أعلى، وبشكل منظم وتحت مظلة رقابية واضحة.
وتتمثل الأولوية الأولى في تعميم نموذج إدارة النقد اليومي للأفراد والشركات من خلال «حساب جرانيت يوم بيوم»، باعتباره مدخلًا عمليًا لتحويل الأرصدة الخاملة إلى عائد يومي تراكمي دون تجميد السيولة.
بالتوازي، يأتي التوسع في إدارة الأصول عبر إطلاق صناديق استثمارية مبتكرة وبعملات متعددة لتلبية احتياجات شرائح مختلفة من العملاء.
أما المحور الثالث فهو توسيع قاعدة الوصول للاستثمار عبر تبسيط التجربة وتعزيز الشفافية، بحيث تصبح الأدوات المنظمة أقرب وأسهل لفئات جديدة داخل المجتمع، دون تنازل عن قواعد الحوكمة أو إدارة المخاطر.
كيف تترجم هذه الرؤية إلى خطط توسع داخل السوق المصرية، استثمارات جديدة أم شراكات؟ وهل هناك توجه للاستحواذات؟
السوق المصرية تملك مساحة كبيرة للنمو، خاصة مع وجود سيولة ضخمة تبحث عن بدائل أكثر مرونة.. نقطة التحول هنا مرتبطة باستحقاقات شهادات بنكية مرتفعة العائد صدرت بشكل استثنائي في مطلع 2024، وتبدأ موجة استحقاقها منذ يناير 2026، بما يعني أن جزءًا مهمًا من السيولة سيعيد البحث عن أوعية أكثر كفاءة.
في هذا التوقيت، التركيز ينصب على ترسيخ «حساب جرانيت يوم بيوم» كبديل ذكي لإدارة النقد، يجمع بين عائد جذاب وسيولة متاحة دون قيود أو تعقيدات تشغيلية.
وعلى جانب التوسع، الشراكات الاستراتيجية تُعد المسار الأكثر واقعية وسرعة، لأنها تتيح الوصول لشرائح أوسع وتقديم قيمة مضافة عبر منتجات متخصصة، مثل الصناديق العقارية ذات العائد الدوري وصناديق التقاعد .
أما الاستحواذات، فالمصر24قائم لفرص تتوافق مع البنية الرقمية وتضيف قدرة تشغيلية أو توزيعًا أقوى، لكن لا توجد نية حالية للاستحواذ على شركة أو منصة رقمية في الوقت الراهن.
هل هناك خطة لإطلاق صناديق جديدة أو توسيع نشاط إدارة الأصول قريبًا؟
الخطة التوسعية تتضمن إطلاق «صندوق جرانيت يوم بيوم الدولاري» خلال النصف الأول من 2026، كخطوة طبيعية في مسار تقديم حلول متعددة العملات، وبالتوازي، يجري العمل على دراسة منتجات أخرى تلبي احتياجات مختلفة، مع الحفاظ على نمو مستدام للنقد المُدار.
وتشمل المسارات قيد الدراسة منتجًا عقاريًا بعائد دوري قائمًا على أصول مدرة للدخل، إلى جانب منتج تأميني، بما يسهم في بناء منظومة أكثر تكاملًا تجمع بين إدارة السيولة والادخار والاستثمار.
مع التقدم لترخيص صندوق دولاري.. كيف تُوازن «جرانيت» بين المنتجات متعددة العملات وجذب المستثمرين محليًا وخارجيًا؟
التنوع في العملات ليس رفاهية، بل ضرورة في سوق تتغير فيها التوقعات بسرعة، الصندوق الدولاري يقدم حلًا عمليًا لشريحتين واضحتين: المستثمر المحلي الذي يبحث عن التحوط، والمصريون بالخارج الذين يحتاجون إلى وعاء منظم داخل مصر بمرجعية رقابية واضحة وعائد مجزٍ.
وفي جانب الجذب، وجود منتج دولاري منضبط يساعد أيضًا على تعزيز تدفقات العملة الصعبة بصورة أكثر استدامة، لأنه يربط الادخار والاستثمار بقواعد واضحة وتجربة سهلة ومفهومة، بدلًا من الاعتماد على قنوات أقل تنظيمًا.
في ظل خطتكم لإطلاق صندوق عقاري.. ما دوره المتوقع وكيف يختلف عن الصناديق القائمة؟
الصندوق العقاري المستهدف يأتي كامتداد طبيعي لاستراتيجية تنويع الأصول وتقديم بدائل أكثر استقرارًا في العائد، والتركيز هنا على الأصول العقارية المدرة للدخل، وليس على نموذج “مشاركة الملكية” الشائع في السوق.. فالفكرة الأساسية هي تحويل أصول كبيرة منتقاة إلى وحدات استثمارية منظمة تتيح الاستفادة من عوائد التأجير والدخل الدوري لشريحة أوسع من المستثمرين.
ويختلف عن كثير من المنتجات القائمة في أنه يركز على الدخل المتكرر وجودة الأصل وآلية إدارة وتشغيل واضحة، بما يعزز استقرار العائد ويضيف تنويعًا حقيقيًا لمحفظة العملاء بعيدًا عن الاعتماد على نوع واحد من الأدوات.
كيف تُقيّمون أهمية حصول «جرانيت» على رخصة مزاولة أنشطة التكنولوجيا المالية غير المصرفية؟
الرخصة تمثل حجر أساس في نموذج العمل، لأنها تعني أن البنية الرقمية والخدمة المقدمة تعمل ضمن إطار رقابي واضح يرفع مستوى الأمان والشفافية، ويضمن التزامًا صارمًا بقواعد الحوكمة وحماية العملاء.
الرسالة الأساسية للعملاء والمستثمرين بسيطة ومباشرة- إدارة الأموال غير المستغلة لم تعد عملية معقدة أو مرتبطة بإجراءات مرهقة، أصبح ممكنًا تشغيل السيولة بكفاءة أعلى وبأقل مجهود، مع متابعة مستمرة وتحكم كامل، وفي بيئة منظمة تساعد على بناء الثقة واستدامتها.








