عادت المخاوف الاقتصادية العالمية إلى الواجهة مجددا، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وما تبعها من ارتفاع أسعار النفط وتزايد القلق بشأن مستقبل التضخم والسياسات النقدية للبنوك المركزية حول العالم.
أكد الدكتور هاني حافظ، الخبير المصرفي، أن التطورات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم حالياً، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، تلقي بظلالها بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وعلى توجهات السياسات النقدية للبنوك المركزية، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة يعكس حجم القلق الذي تعيشه الأسواق العالمية في ظل استمرار التوترات.
تحرك أسعار النفط
وأوضح حافظ أن أسعار النفط شهدت تحركات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، حيث تجاوزت حاجز 80 دولاراً للبرميل، وربما تكون قد تخطت هذا المستوى أكثر في بعض لحظات التداول، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق. وأضاف أن السؤال الأهم حالياً يتمثل في كيفية تعامل البنوك المركزية مع هذه التطورات، وما إذا كانت ستتجه إلى تثبيت أسعار الفائدة أو رفعها أو حتى خفضها، خاصة أن جزءاً كبيراً من الضغوط التضخمية الحالية يأتي من عوامل خارجية أو ما يُعرف بالتضخم المستورد.
وأشار الخبير المصرفي إلى أن العالم انتقل بالفعل من مرحلة كانت تتسم بقدر من الاطمئنان النسبي تجاه مسار خفض أسعار الفائدة إلى مرحلة جديدة تتسم بإدارة المخاطر الجيوسياسية وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي.
ولفت إلى أن هذه التطورات لا تقتصر آثارها على الأسواق الناشئة فقط، بل تمتد أيضاً إلى الاقتصادات المتقدمة التي كانت قد بدأت بالفعل في التقاط أنفاسها قبل أن تأتي الأزمة المرتبطة بالتصعيد الإيراني لتقلب الكثير من المعادلات الاقتصادية التي تشكلت خلال الفترة الماضية.
وأضاف حافظ أن القطاع المالي والتأميني العالمي يشهد حالياً عملية إعادة تسعير شاملة للمخاطر، حيث قامت بعض شركات التأمين العالمية بإلغاء تغطية مخاطر الحروب للسفن نتيجة الصراع الدائر حالياً. كما ارتفعت تكلفة التأمين على الديون السيادية لعدد من الدول، سواء في الاقتصادات الناشئة أو حتى في بعض الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يعكس حالة القلق التي تسود الأسواق المالية الدولية.
أسواق السندات الحكومية
وأوضح أن هذه التطورات انعكست أيضاً على أسواق السندات الحكومية، حيث بدأت تظهر تحركات واضحة في عوائد أذون وسندات الخزانة في العديد من الدول. وأشار إلى أن بعض الدول أعلنت بالفعل ارتفاعاً غير مسبوق في تكلفة الديون السيادية، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسواق المالية نتيجة التوترات الجيوسياسية الحالية.
وأكد حافظ أن ما يحدث حالياً لا يبدو أن هناك مستفيداً اقتصادياً واضحاً منه، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط يمثل أحد أبرز مصادر القلق في الأسواق. ولفت إلى أن كل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر برميل النفط قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم بما يتراوح بين ثلاثة أعشار وسبعة أعشار نقطة مئوية تقريباً، وهو ما يعني أنه إذا وصل سعر النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل فقد يواجه العالم موجة تضخمية جديدة خلال الربع الثاني من العام.
وأضاف أن هذه التطورات قد تؤدي إلى ما يمكن وصفه بصدمة تضخمية عالمية، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وقفزة تكاليف الشحن والنقل وارتفاع توقعات التضخم، وهو ما يفرض على البنوك المركزية إعادة تقييم سياساتها النقدية بعناية شديدة. وأوضح أن كثيراً من البنوك المركزية قد تضطر إلى تجميد خططها المستقبلية مؤقتاً، في انتظار تقييم تأثيرات الأزمة، سواء كان ذلك من خلال تثبيت أسعار الفائدة أو حتى الاتجاه نحو تشديد السياسة النقدية إذا تصاعدت الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأشار حافظ إلى أن أحد الأخطاء التي شهدها العالم خلال عامي 2022 و2023 تمثل في محاولة معالجة التضخم الناتج عن ارتفاع تكاليف الإنتاج عبر رفع أسعار الفائدة، وهو ما لم يكن فعالاً بالشكل الكافي، بل أدى في بعض الأحيان إلى زيادة الضغوط على تكاليف الإنتاج نفسها. وأوضح أن التضخم الناتج عن اضطرابات سلاسل الإمداد أو ارتفاع أسعار الطاقة يختلف عن التضخم الناتج عن زيادة الطلب، وبالتالي فإن أدوات السياسة النقدية التقليدية قد لا تكون كافية وحدها لمعالجة هذه النوعية من التضخم.
البنوك المركزية والمعادلة الصعبة
وأضاف أن البنوك المركزية تواجه حالياً معادلة صعبة بين هدفين رئيسيين، هما كبح التضخم من جهة ودعم النمو الاقتصادي من جهة أخرى. وأوضح أن التضخم الحالي يرتبط بدرجة كبيرة بارتفاع تكاليف الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد، في حين أن تحقيق النمو الاقتصادي يتطلب في المقابل توافر الطاقة واستقرار سلاسل الإنتاج.
وأشار إلى أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وهو ما يعني أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبره قد يؤدي إلى تأثيرات واسعة على الاقتصاد العالمي. وأضاف أنه في حال تعطلت أيضاً حركة الملاحة عبر البحر الأحمر أو قناة السويس، فإن العالم قد يواجه تحديات اقتصادية كبيرة، ليس فقط على مستوى النمو الاقتصادي ولكن أيضاً على مستوى استقرار الأسعار.
وأكد حافظ أن مواجهة التضخم في مثل هذه الظروف لا تعتمد فقط على أدوات السياسة النقدية مثل رفع أسعار الفائدة أو خفضها، بل تتطلب أيضاً سياسات اقتصادية أوسع، تشمل إدارة المخزونات الاستراتيجية من الطاقة والسلع الأساسية، والبحث عن مسارات بديلة لسلاسل الإمداد والطاقة.
وأشار إلى أن الدول التي تمتلك احتياطيات كافية من الطاقة والسلع الغذائية تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية في مثل هذه الأزمات. وأضاف أن وجود مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يمكن أن يمنح الحكومات فترة زمنية كافية لتقييم الأوضاع واتخاذ القرارات المناسبة دون التعرض لضغوط فورية في الأسواق.
وأوضح حافظ أن ما يحدث حالياً يحمل تأثيرات اقتصادية على المدى القصير والمتوسط، مشيراً إلى أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تداعيات أوسع على الاقتصاد العالمي، خاصة أن الطاقة تمثل أحد الأعمدة الأساسية للنشاط الاقتصادي في مختلف دول العالم.
واختتم الدكتور هاني حافظ تصريحاته بالتأكيد على أن العالم يقف حالياً أمام لحظة اقتصادية دقيقة، وأن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يؤدي إلى تأثيرات تمتد إلى مختلف الاقتصادات، سواء في الدول المتقدمة أو الناشئة، لأن الطاقة تظل أحد أهم المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي العالمي.


