أكد الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واندلاع الحرب على إيران لم يعد يمثل مجرد صراع عسكري تقليدي، بل أصبح صدمة اقتصادية عالمية تمتد آثارها إلى مختلف الأسواق، موضحًا أن الحروب في عصر العولمة لم تعد محصورة جغرافيًا، بل تؤثر بشكل مباشر على التجارة والطاقة والاستثمار عالميًا.
وأوضح سلامة أن هذه الحرب تأتي في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد العالمي، الذي لم يتعافَ بالكامل من تداعيات الأزمات المتتالية خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا باضطرابات سلاسل الإمداد، وصولًا إلى موجات التضخم المرتفعة، مشيرًا إلى أن أي اضطراب جديد في هذا السياق الهش يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي العالمي.
صدمة الطاقة تقود موجة تضخم عالمية
وأشار إلى أن خطورة الصراع تكمن في تأثيره المباشر على تدفقات النفط والغاز، باعتبارهما من أهم شرايين الاقتصاد العالمي، سواء من خلال الإنتاج أو عبر طرق الإمداد الحيوية. وأضاف أن تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة في الممرات الاستراتيجية أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ما انعكس على تكاليف الإنتاج والنقل، ودفع معدلات التضخم إلى الارتفاع في العديد من الاقتصادات.
وأكد أن هذه التطورات تضع الاقتصاد العالمي أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها فرص الربح مع مخاطر الركود، في ظل ترابط شديد بين الأسواق العالمية.
الولايات المتحدة ودول الطاقة في صدارة المستفيدين
وأوضح الدكتور عمرو سلامة أن تداعيات الحرب لم تتوزع بشكل متساوٍ، حيث برزت مجموعة من الدول كأكبر المستفيدين، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي جمعت بين كونها منتجًا رئيسيًا للطاقة وموردًا بديلًا لأوروبا، ما مكّنها من زيادة صادراتها وتعزيز نفوذها في سوق الطاقة العالمي.
وأضاف أن روسيا استفادت أيضًا من ارتفاع أسعار النفط، ما دعم إيراداتها وساعدها في تخفيف الضغوط الاقتصادية، بينما حققت دول الخليج، مثل السعودية والإمارات وقطر، فوائض مالية ملحوظة نتيجة زيادة الطلب العالمي على الطاقة، رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
وأشار إلى أن قائمة المستفيدين امتدت لتشمل دولًا أخرى مثل النرويج وكندا وأستراليا والجزائر، التي عززت مكانتها كمورّدين للطاقة، فضلًا عن البرازيل التي حققت مكاسب مزدوجة من ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الزراعية.
خسائر حادة للدول المستوردة والاقتصادات الهشة
وفي المقابل، حذر سلامة من اتساع دائرة الخسائر، مؤكدًا أن إيران تتحمل العبء الأكبر نتيجة تراجع صادراتها النفطية وتضرر بنيتها التحتية، إلى جانب الضغوط التضخمية وتراجع العملة، ما يدفع اقتصادها نحو انكماش حاد.
وأوضح أن الدول الصناعية المستوردة للطاقة، مثل ألمانيا واليابان، تواجه ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج وتباطؤًا في النمو، كما تعاني اقتصادات كبرى مثل الصين والهند من زيادة فاتورة الواردات وارتفاع معدلات التضخم.
وأضاف أن التأثير يبدو أكثر حدة في الاقتصادات الناشئة، حيث تواجه دول مثل تركيا وباكستان وبنجلاديش ضغوطًا اقتصادية كبيرة، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وصعوبة توفير العملة الأجنبية، وهو ما يهدد استقرارها الاقتصادي.
وأشار إلى أن مصر من بين الدول التي تواجه ضغوطًا مزدوجة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ما ينعكس على الموازنة العامة ويؤثر على القوة الشرائية للمواطنين.
اضطرابات التجارة العالمية وقطاعات حساسة
وأكد سلامة أن تأثيرات الحرب امتدت إلى التجارة العالمية، خاصة مع تصاعد المخاوف من تعطل الملاحة في مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد. كما أشار إلى أن قطاعات مثل السياحة والطيران تُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التوترات.
تحذير: المكاسب مؤقتة والمخاطر ممتدة
وشدد على أن المكاسب التي تحققها بعض الدول في المدى القصير قد تكون مؤقتة، محذرًا من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو، وزيادة احتمالات الدخول في ركود اقتصادي عالمي، ما قد يقلص تدريجيًا من هذه المكاسب.
مستقبل الاقتصاد العالمي مرهون بمسار الأزمة
واختتم الدكتور عمرو سلامة تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الاقتصاد العالمي سيظل مرتبطًا بمسار هذا الصراع، موضحًا أن احتواء الأزمة قد يعيد الاستقرار للأسواق، بينما سيؤدي استمرار التصعيد إلى تعميق الاختلالات الاقتصادية وإعادة تشكيل النظام العالمي بشكل أكثر تعقيدًا.
وأكد أن الحروب، رغم ما قد تفرزه من مكاسب مؤقتة لبعض الأطراف، تظل في جوهرها عبئًا طويل الأمد على الاقتصاد العالمي، حيث تتوزع الخسائر بدرجات متفاوتة، لكن تأثيرها لا يستثني أحدًا.


