على مدار العقود الماضية واجه أكثر من 3.36% من سكان محافظة مطروح البالغ عددهم 595.3 ألف مواطن ومواطنة، حالات الفقر والمرض والعطش وتأثر فرص العمل داخل قرية سملا التابعة لمركز مرسى مطروح، وذلك مع غياب سبل الحياة البسيطة نظرًا لعدم وجود مصادر أساسية لمياه الشرب في القرية.
Gebal Egyp تنزع الفتيل
وفقًا لتقارير ومسوح أجرتها Gebal Egyp المتخصصة في مجالات الاستدامة والزراعة وإدارة الموارد والمياه وتنمية المجتمعات والطاقة المتجددة والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني، بشأن الحياة في قرية سملا، رصدت وجود نقص حاد في المياه الصالحة للشرب بسبب ما سمته بـ”الظروف البيئية القاسية” نظرًا لإفراط ما يقارب من 20 ألف مواطن في الحصول على المياه من الآبار الموجودة بالمنطقة والتي تصل نسبة الملوحة فيها لنحو 15 ألف جزء في المليون، مما دفع السكان للاعتماد على مياه الشرب المنقولة عبر الشاحنات ذات التكلفة الكبيرة ومشقة اعتماد الأهالي على جلب المياه بأنفسهم قاطعين عشرات الكيلومترات، نظرًا لضيق ذات اليد، في الوقت الذي لم تكف قطرات المياه احتياجاتهم اليومية لاستمرار حياة أقل من الآدمية وانتهاءً بالزراعة والماشية.

مصر والفقر المائي
من واقع الأرقام الرسمية وتصريحات المسؤولين المصريين أبرزهم ما ذكره وزير الري والموارد المائية الدكتور هاني سويلم، كشفت عن انخفاض نصيب الفرد من المياه العذبة إلى 600 متر مكعب سنويًا، وهو أقل من حد الفقر المائي والمقدر بـ1000 متر مكعب حسب تقرير صادر عن الهيئة العامة للاستعلامات.
وتبلغ فجوة الطلب على المياه في مصر 88.55 مليار متر مكعب سنويًا مقارنة بـ65.35 مليار متر مكعب سنويًا يتم تدبيرها من مصادر مائية متجددة، من بينها محطات المعالجة الثلاثية، حيث يتم تدبير الفجوة من خلال إعادة إنتاج واستخدام مياه بمقدار 23.2 مليار متر مكعب سنويًا.
وحمّل وزير الري والموارد المائية الزيادة السكانية أسباب دخول مصر في الفقر المائي.
تعتمد مصر في تدبير مصادر المياه الصالحة للشرب على مياه نهر النيل، وهي المصدر الأكبر والأبرز، ثم كميات محدودة من المياه الجوفية والآبار بالصحاري، ثم محطات المعالجة، حيث تجاوز الاحتياجات الفعلية لمصر من الماء نحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، بحسب بيانات الهيئة العامة للاستعلامات.

الندرة المطلقة للمياه في سملا
لكن بحسب التقارير، فإن معدل فجوة المياه في سملا يقل عن معدلات الفقر المائي على مستوى مصر، إذ تبلغ 500 متر مكعب سنويًا للفرد الواحد، بما يسمى بـ”الندرة المطلقة للمياه”.
واجهت Gebal Egyp تحديات من خلال مسوحات أجرتها عن نقص التوعية لدى السكان في سملا بالمخاطر البيئية، لا سيما بين الأطفال والنساء.
البحث عن حل
على مدار عام كامل من الفترة 2024 حتى يوليو 2025، بدأت شراكة استراتيجية بين Gebal Egyp والاتحاد الأوروبي، بتكلفة تمويل مشترك بين شركتي صبور للتنمية العمرانية وشنايدر إلكتريك، تراوحت بين 10 حتى 100 ألف يورو بما يعادل 6.165 مليون جنيه.
ونجحت الشركة في تقديم حلول تعتمد على الربط بين المياه وإتاحة الطاقة والغذاء والنظام البيئي المتوازن بما يحقق الاستدامة المطلوبة، حيث تم حفر 3 آبار بعمق 140 مترًا للبئر الواحد لتوفير المياه للصوب الزراعية وإنشاء وحدة تحلية مياه تعمل بالطاقة الشمسية يتم استخدامها للشرب ومعالجة المياه للاستخدام في الزراعة على مدار العام، وتدشين منطقة ألعاب تعليمية للأطفال ضمن إجراءات التنمية الحضرية ورفع الوعي البيئي للنشء.
يركز المشروع الخاص بإنشاء محطة تحلية ومعالجة المياه بالطاقة الشمسية والمقام على مساحة 4200 متر مربع، على أركان نهج WEFE الأربعة من خلال نظام واحد بقيادة المجتمع المحلي.
يقوم ذلك المنهج على وحدة تحلية مياه تعمل بالطاقة الشمسية، توفر مياهًا نظيفة للشرب والري. وتعمل هذه الوحدة جنبًا إلى جنب مع دفيئة زراعية مُكيّفة تستخدم المياه المُعالجة لزراعة الخضراوات على مدار العام.
ساعد المشروع على تقليل تكلفة نقل المياه والاعتماد على مصادر المياه المنتجة من الآبار غير الصحية أو الموثقة.

نتائج المشروع
كان لتنفيذ المشروع تأثيرات وتغيرات بيئية متنوعة أبرزها
- تغيير حياة أكثر من 20 ألف مواطن بما يساوي 3 آلاف أسرة من سكان سملا وتدبير احتياجاتهم اليومية من مياه الشرب النظيف بمقدار 2 مليون لتر مياه شرب آمنة بعد 5 شهور من تشغيل المحطة، ليصل بذلك معدل إنتاج محطة تحلية المياه بطاقة إنتاجية تبلغ 60 مترًا مكعبًا يوميًا.
- توفير طاقة للأسر مولدة من الألواح الشمسية بجهد قدره 12 ألف ك.و في الساعة بدلًا من الاعتماد على الديزل، وهو ما خفض التكاليف وقلص الانبعاثات الكربونية مع مصر24أداء المنظومة الجديدة عبر شركة شيلاندر باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.
- استطاعت القرية زراعة محاصيل زراعية من خضروات وفواكه مثل الكوسة والخيار والفلفل وغيرها بكميات كسرت حاجز الـ4 أطنان سنويًا بعد أن كانت تكتفي بمساحات قليلة من الزيتون والتين والتمور نظرًا لارتفاع ملوحة التربة لأكثر من 15 ألف جزء في المليون، لكنها بعد تشغيل المنظومة الجديدة تراجعت إلى 108 جزء في المليون.
- توفير المزيد من فرص العمل لفئات جديدة سواء بعد زيادة الإنتاجية الزراعية أو من خلال المشاركة في بناء المشروع أو التدريب فيه، مما ساعد في تحسين مستوى معيشتهم هم وذويهم.
- إنشاء دفيئة زراعية بمساحة 360 متر مربع يتم التحكم فيها تقنيًا ومجهزة بأنظمة الري الحديث والتسميد، ويتم صيانتها من خلال شركة شنايدر إلكتريك.
- تركيب نظام للطاقة الشمسية خارج الشبكة بطاقة 40 ك.و لدعم تشغيل مضخات الآبار ووحدة التحلية والدفيئة.
- مشاركة 120 مواطنًا من أهل سملا في البناء والتركيب الخاص بالمشروع وتأهيل السكان للحفاظ على البيئة وتنمية الموارد، بما في ذلك تدريب 3 من المشغلين المحليين وتطوير منطقة الألعاب التعليمية للأطفال لتعزيز الوعي بترشيد الطاقة واستهلاك المياه.
- نجاح المشروع في دعم أهداف التنمية المستدامة 2 و3 و6 و10 و13 التي حددتها الأمم المتحدة، كما يمثل نموذجًا قابلًا للتوسع للتنمية المستدامة في المناطق الأكثر عرضة للتغيرات المناخية.

محافظة مطروح والتنمية المستدامة
وقال اللواء دكتور محمد الزملوط، محافظ مطروح خلال تصريحات صحفية، إن مشروع سملا يعد نموذج متكاملًا للتنمية المستدامة بعد نجاح الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، في دعم جهود الدولة لتحقيق التنمية الشاملة، وتحسين جودة الحياة للمواطنين، خاصة بالمناطق الصحراوية والأكثر احتياجًا، موضحًا أن أهالي سملا قد أبدوا تعاونًأ مشرفًا لإنجاح ذلك المشروع.
وكشف محافظ مطروح عن بدء تشكيل لجنة من مديرية الزراعة بالمحافظة للمتابعة الدورية للمشروع والعمل علي وضع دراسة ممثالة للتوسع في ذلك المشروع علي امتداد المناطق الواقعة غرب مطروح.
وأكد محافظ مطروح أن المشروع يمثل نموذجًا رائدًا للتنمية المستدامة في المناطق الصحراوية، ويعكس نجاح الشراكات في دعم جهود الدولة لتحسين جودة الحياة، مشيدًا بمشاركة المجتمع المحلي في تنفيذ المشروع، وموجهًا بدراسة التوسع في تنفيذ مشروعات مماثلة داخل المحافظة.
وعلي نفس السياق قال المهندس محمود الأمير، مدير مركز التنمية المستدامة لموارد مطروح، إن مركز التميز لأبحاث تحلية المياه بمركز بحوث الصحراء تولى تركيب وحدات الخلايا الشمسية الجديدة للتحلية التي تتماشى مع البيئة، وسيتم تشغيلها باستخدام الطاقة الشمسية
وأوضح “الأمير”، أن شركة مياه مطروح الشرب والصرف الصحى بالتعاون مع مركز التميز لأبحاث المياه بمركز بحوث الصحراء، تمكنت من إنشاء تجربة رائدة لأول مرة تنفذ فى المناطق الصحراوية التى تحتاج إلى نقطة المياه، وهي تحلية لمياه الشرب ليس من مياه البحر ولكن من مياه الآبار الجوفية والتي تملأ صحراء مطروح بطريقة الخلايا الشمسية، وذلك في إطار توجهات الدولة في توفير الطاقات المتجددة وترشيد استهلاك الطاقة غير المتجددة.
دور القطاع الخاص
من جانبه، أوضح المهندس أحمد صبور، رئيس شركة صبور للتنمية العمرانية، أن المشروع يتوافق مع رؤية مصر 2030 ويدعم المبادرات التنموية لتوفير احتياجات المواطنين من المياه والغذاء والطاقة،معتبرًا أن مشاركة شركته كان لها استراتيجية في التحول من دور المطور العقاري لتصبح مشاركًا رئيسيًا في المجتمعات التنموية وتحقيق الاستدامة طويلة الأجل بالشراكة مع شنايدر إلكتريك.
وأكتفت شنايدر إلكتريك بالقول بأن المشروع المنفذ يعتمد على منصة EcoStruxure وحلول الطاقة الشمسية في تشغيل جميع مكوناته، بما في ذلك محطة تحلية المياه والصوبة الزراعية وأنظمة الري، بما يضمن تشغيلًا مستدامًا وصديقًا للبيئة.
يساعد المشروع بحسب مسئولون في شنايدر في تعظيم كفاءة الموارد وتقليل الهدر، مع تشغيل جميع الأنظمة بالطاقة الشمسية، بما يعزز الاستدامة البيئية والاقتصادية في المنطقة؛ فالمشروع لا يقتصر على البنية التحتية فقط، بل يشمل أيضًا جانبًا توعويًا، من خلال إنشاء وسيلة تعريفية مبسطة تشرح آلية عمل منظومة المياه والطاقة والزراعة، بهدف نشر الوعي البيئي بين المواطنين من مختلف الفئات العمرية.

الحكومة والاتحاد الأوروبي
وكشف مسئولون حكوميون لـ “مصر24 نيوز” عن أن الحكومة المصرية منفتحة على كافة الأطراف من المجتمع المدني ومؤسسات التمويل الدولية بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، باعتباره شريكًا استراتيجيا للتنمية الشاملة تمتد لعقود.
وقال المسئولون إن الحكومة خلال العام الماضي حصلت على تمويلًا بقيمة بلغت 59 مليون دولار لدعم مشروعات تنموية شملت الإسكان الإجتماعي وشبكات مياه الشرب والصرف الصحي مقدمة من “السويد، بنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الإفريقي للتنمية” من أصل 6.462 مليار دولار موزعة 11 قطاعًا تنمويًا.
وأدرجت الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 المقبل مبلغ 5 مليارات جنيه دعمًا لقطاع مياه الشرب بزيادة تبلغ 3 مليارات جنيه عن العام المالي الجاري بما يمثل 150% نموًا علي أساس سنوي، ضمن مخصصات الدعم السلعي بالموازنة والمقدر بقيمة 334.4 مليار جنيه.
يستحوذ بند دعم قطاع مياه الشرب في الموازنة خلال العام المالي المقبل على 1.5% من مجمل الإنفاق العام علي الدعم السلعي في العام القادم، بالإضافة لدعم المزراعين في الموازنة علي 1.072 مليار جنيه.
قالت الموازنة إنها تدعم أهل مطروح بنسبة 25% من مجمل المخصصات الموجهة لمنظومة التأمين الصحي الشامل والبالغ قيمتها 4.98 مليار جنيه في العام المالي المقبل، بما يعني تدبير 3.93 مليار جنيه.


