عاد مستقبل الجنيه أمام الدولار إلى صدارة المشهد الاقتصادي، مع التراجع الملحوظ في سعر العملة الأمريكية داخل البنوك، وانعكاس ذلك على أسعار الذهب وحركة الأسواق.
وبين تدفقات المصريين بالخارج، وجاذبية أدوات الدين، واستقرار سوق الصرف، والتوترات الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة، تبدو العملة المحلية أمام اختبار جديد لا تحدده الأرقام وحدها، بل ترسمه أيضًا قرارات الفائدة، ومسار الاستثمارات، وحالة الثقة في الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة
أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن المشهد الاقتصادي المصري خلال الفترة الأخيرة أصبح أشبه برقعة شطرنج تتداخل فيها التحركات المحلية مع التوترات الإقليمية والدولية، موضحًا أن الانخفاض الملحوظ في سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والتدفقات النقدية والإشارات السياسية التي انعكست على سوق الصرف.
وقال العسيلي إن تراجع الدولار أمام الجنيه أثار اهتمام المتعاملين والمواطنين بعد موجات من الارتفاعات القياسية التي شهدتها العملة الأمريكية في فترات سابقة، مشيرًا إلى أن هذا التحول يعكس وجود عوامل داعمة للعملة المحلية، وفي مقدمتها تحسن المعروض الدولاري داخل القطاع المصرفي الرسمي، وعودة جزء مهم من الثقة إلى سوق الصرف.
وأوضح أن أسباب التراجع الأخير للدولار ترتكز على عدة عوامل رئيسية، أبرزها القفزات القياسية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي ساهمت في ضخ سيولة دولارية كبيرة داخل الجهاز المصرفي، بما دعم قدرة البنوك على تلبية الطلب على النقد الأجنبي، وخفف الضغوط التي كانت تدفع الدولار إلى الصعود.
وأضاف أن الدولة نجحت أيضًا في جذب تدفقات ملموسة من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، المعروفة باسم «الأموال الساخنة»، إلى أدوات الدين المصرية، مستفيدة من مستويات العائد الجاذبة، وهو ما عزز حجم الموارد الدولارية المتاحة، وساهم في دعم استقرار الجنيه خلال الفترة الأخيرة.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الانتعاش في المعروض الدولاري جاء متزامنًا مع ضبط الأسواق والقضاء على السوق الموازية، وهو ما منح الجنيه ما يمكن وصفه بـ«قبلة الحياة»، وساعده على استعادة جزء من توازنه تدريجيًا داخل البنوك، بعد فترة طويلة من الضغوط والمضاربات وتعدد أسعار الصرف.
وأكد العسيلي أن مستقبل الجنيه لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، خاصة أن الاقتصاد المصري شديد الارتباط بتطورات المنطقة، سواء من خلال قناة السويس أو السياحة أو تدفقات الاستثمار أو أسعار الطاقة والغذاء العالمية.
وقال إن توقف التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط يمثل «سيناريو ذهبيًا» للاقتصاد المصري، لأن هدوء الأوضاع ينعكس مباشرة على عودة الثقة إلى الأسواق الناشئة، وتراجع تكلفة التأمين على الديون السيادية، فضلًا عن تعافي عوائد السياحة وحركة الملاحة بصورة كاملة، وهي عوامل تصب في صالح الجنيه وتدعم تراجع الدولار محليًا.
ولفت إلى أن العلاقات الأمريكية الإيرانية والتفاهمات المرتبطة بها تمثل أحد المفاتيح المهمة في تحديد اتجاهات الأسواق خلال الفترة المقبلة، موضحًا أن عدم استكمال هذه التفاهمات، وهو احتمال قائم، قد يبقي حالة عدم اليقين مسيطرة على أسواق الطاقة والصرف العالمية.
وأضاف أن تعثر الاتفاقات الأمريكية الإيرانية يمكن أن يؤدي إلى استمرار تذبذب أسعار النفط والمعادن، بما يدفع المستثمرين عالميًا إلى التمسك بالدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، وهو ما قد يشكل ضغطًا عكسيًا، ولو محدودًا، على عملات الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها الجنيه المصري.
وأوضح العسيلي أن الاستقرار السياسي الإقليمي يظل المحفز الأكبر لأي تراجع مستدام في سعر الدولار محليًا، لأن هدوء المنطقة يخفف الضغوط الخارجية، ويعزز تدفقات النقد الأجنبي، ويقلل من حالة التحوط التي تدفع المستثمرين إلى الدولار والذهب في أوقات الأزمات.
وفيما يتعلق بأسواق الذهب، أكد الخبير الاقتصادي أن هناك علاقة وثيقة ومتشابكة بين تراجع الدولار محليًا وانخفاض أسعار الذهب في مصر، موضحًا أن الذهب كان دائمًا ملاذًا للتحوط ضد انخفاض قيمة العملة المحلية، وكلما ارتفع الدولار أو زادت المخاوف، ارتفعت أسعار الذهب محليًا بصورة أكبر من السعر العالمي.
وأشار إلى أنه مع تراجع سعر الدولار في البنوك واستقرار سوق الصرف، بدأت «علاوة المخاطر» التي كان يضيفها التجار إلى تسعير المعدن الأصفر في التلاشي، وهو ما دفع أسعار الذهب محليًا إلى التراجع لتقترب أكثر من حركة السعر العالمي.
وأضاف العسيلي أن انحسار التوترات الجيوسياسية عالميًا يقلل كذلك من جاذبية الذهب كملاذ آمن، ما يضغط على أسعاره دوليًا ومحليًا في الوقت نفسه، موضحًا أن هذا التراجع يعكس حالة من الارتياح النسبي في القوة الشرائية للجنيه، ويشير إلى تحسن ثقة المتعاملين في العملة المحلية.
وفيما يخص ملف الفائدة، قال الدكتور حسين العسيلي إن قرار البنك المركزي المصري بالإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة، إذا حدث في الاجتماعات المقبلة، سيعمل كـ«حائط صد» قوي لدعم الجنيه، لأن الفائدة المرتفعة تؤدي دورين أساسيين في هذه المرحلة الحساسة.
وأوضح أن الدور الأول يتمثل في كبح جماح التضخم ومحاصرة القوة الشرائية الزائدة، بما يقلل الضغوط السعرية داخل السوق، بينما يتمثل الدور الثاني في الحفاظ على جاذبية الاستثمار في السندات وأذون الخزانة المصرية بالنسبة للمستثمرين الأجانب، وهو ما يعني استمرار تدفق رؤوس الأموال الأجنبية واستقرارها داخل السوق المصرية.
وأكد أن استمرار هذه التدفقات يدعم المعروض الدولاري، ويحافظ على المكاسب التي حققها الجنيه مؤخرًا، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة وحدها، لأنها بطبيعتها سريعة الحركة وتتأثر بتغيرات الفائدة والمخاطر العالمية.
وأشار العسيلي إلى أن قراءات بيوت الخبرة وبنوك الاستثمار العالمية والمحلية تتجه إلى نظرة تفاؤلية مرنة بشأن مستقبل الدولار أمام الجنيه، في ظل استمرار تدفق الموارد الرسمية وتحسن مؤشرات سوق الصرف، متوقعًا أن يتحرك الدولار في مستويات مستقرة وقابلة للتراجع التدريجي على المدى المتوسط.
وأضاف أن استمرار هذا المسار الإيجابي يظل مشروطًا بالحفاظ على وتيرة الإصلاحات الهيكلية، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاعات الصناعة والإنتاج، بما يضمن توفير موارد دولارية حقيقية ومستدامة، ويقلل الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل.
وأكد الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد المصري يمتلك مرونة واضحة وقدرة كبيرة على امتصاص الصدمات والنهوض من جديد، مشيرًا إلى أن تراجع الدولار وهدوء أسواق الذهب، رغم صخب السياسة العالمية، يحملان رسالة أمل واضحة بشأن قدرة الجنيه على التعبير بشكل أفضل عن القيمة الحقيقية للاقتصاد المصري.
واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أن الطريق نحو استقرار مستدام في سوق الصرف يتطلب استمرار ضبط السياسات المالية والنقدية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات المباشرة، موضحًا أن الجنيه المصري يمكن أن يستفيد بقوة من هذه العوامل إذا استمرت الدولة في السير بخطى ثابتة نحو إصلاح اقتصادي قائم على الإنتاج لا المضاربة، بما يفتح فصلًا جديدًا من الاستقرار والنمو للمواطن والمستثمر على حد سواء.


