يشهد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة تحولا نوعيا في نموذج عمله، بعدما تجاوز دوره تنفيذ المشروعات القومية ليصبح منصة اقتصادية متكاملة تستهدف جذب الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من الأصول، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، في إطار توجهات الدولة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية يعتمد على الإنتاج والحوكمة والشفافية مستهدفات رؤية مصر 2030.
ويأتي هذا التحول بالتزامن مع التوسع الكبير في المشروعات التي يديرها الجهاز بقطاعات الزراعة، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والتنمية العمرانية، والتحول الرقمي، بما يعزز فرص الاستثمار المستدام ويرفع كفاءة إدارة الأصول.
تحويل المشروعات إلى فرص استثمارية
شهد جهاز مستقبل مصر خلال السنوات الأخيرة توسعا كبيرا في حجم المشروعات التي يديرها، فلم يعد نشاطه يقتصر على التوسع الزراعي، بل امتد إلى التصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والتنمية العمرانية، والتحول الرقمي، وهو ما خلق قاعدة اقتصادية متنوعة تمتلك مقومات النمو وجذب الاستثمارات.
ويقوم نموذج العمل الذي يتبناه الجهاز على تحويل المشروعات الإنتاجية إلى فرص استثمارية، من خلال بناء بيئة متكاملة تضم البنية الأساسية، ومناطق الإنتاج، والمصانع، والخدمات اللوجستية، بما يوفر للمستثمر منظومة جاهزة للعمل، ويخفض تكلفة الاستثمار، ويزيد من كفاءة التشغيل.
ولا يقتصر هذا التوجه على جذب رؤوس الأموال، وإنما يستهدف أيضًا نقل الخبرات، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع المحلي، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، في إطار رؤية تستهدف تحقيق التنمية المستدامة وتعظيم العائد الاقتصادي من المشروعات القومية.
القطاع الخاص شريك رئيسي في التنمية
ويحتل القطاع الخاص موقع محوري في استراتيجية الجهاز، انطلاق من قناعة بأن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب تكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، والاستفادة من الخبرات والإمكانات الاستثمارية التي يمتلكها، بما يسهم في تسريع وتيرة التنمية، ورفع كفاءة التشغيل، وتعظيم العائد الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، نجح الجهاز في بناء شراكات مع عدد من الشركات الوطنية والعالمية في مجالات الزراعة، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتنمية العمرانية، بما يعزز نقل التكنولوجيا، وتطوير منظومات الإنتاج، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.
كما يعمل أكثر من 150 شركة من القطاع الخاص داخل مشروعات الدلتا الجديدة، في مجالات الزراعة والميكنة الزراعية ومستلزمات الإنتاج، في نموذج يعكس نجاح الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في تنفيذ المشروعات الكبرى، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة.
إدارة الأصول لتعظيم العائد الاقتصادي
ولا يتعامل جهاز مستقبل مصر مع الأصول باعتبارها مجرد ممتلكات أو أراضٍ، وإنما ينطلق من فلسفة تقوم على تعظيم قيمتها الاقتصادية، عبر إعادة توظيفها داخل منظومات إنتاجية واستثمارية تحقق أعلى عائد ممكن.
وتعتمد هذه الرؤية على ربط الأصول بالأنشطة الاقتصادية المختلفة، سواء في الزراعة، أو الصناعة، أو الخدمات اللوجستية، أو التنمية العمرانية، بما يحولها إلى محركات للنمو الاقتصادي، ويوفر مصادر تمويل مستدامة للتوسع في المشروعات، ويعزز كفاءة استخدام الموارد.
ويمثل هذا النهج أحد أبرز ملامح التطور الذي يشهده الجهاز، حيث أصبحت إدارة الأصول جزءًا من استراتيجية اقتصادية شاملة، تستهدف تحقيق الاستدامة المالية، وتعظيم العائد من الاستثمارات العامة.
الطرح في البورصة يعزز الحوكمة والشفافية
ويأتي التوسع في استخدام أدوات سوق رأس المال ضمن رؤية تستهدف تعزيز كفاءة الشركات التابعة، وتوسيع قاعدة الملكية، وتهيئة بيئة أكثر جذب للاستثمارات.
ويمتلك جهاز مستقبل مصر حصص واستثمارات في عدد من الشركات العاملة في قطاعات اقتصادية متنوعة، تشمل الزراعة، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والتنمية العمرانية، وغيرها من القطاعات المرتبطة بمنظومة التنمية التي يقودها الجهاز.
ومع دراسة طرح حصص من بعض هذه الشركات في البورصة المصرية، تتعزز منظومة الحوكمة المؤسسية، حيث تصبح الشركات ملتزمة بقواعد القيد والإفصاح والشفافية، والإعلان الدوري عن نتائج الأعمال، والإفصاح عن المعلومات الجوهرية، بما يرسخ ثقة المستثمرين، ويعزز كفاءة الإدارة، ويرفع من تنافسية هذه الشركات، وفق أفضل الممارسات المعمول بها في أسواق المال.
ولا يمثل اللجوء إلى سوق المال مجرد وسيلة للتمويل، وإنما يعكس توجها نحو ترسيخ ثقافة الحوكمة والإدارة الرشيدة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وإتاحة فرص استثمارية جديدة أمام المؤسسات والأفراد، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي ويعظم الاستفادة من الأصول الإنتاجية.
قانون جديد لدعم الاستثمار
ومع اتساع حجم المشروعات التي يديرها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، برزت الحاجة إلى إطار تشريعي يواكب هذا التطور، ويمنح الجهاز الأدوات المؤسسية اللازمة لإدارة استثماراته ومشروعاته بكفاءة أكبر، وهو ما يستهدفه مشروع قانون إعادة تنظيم الجهاز، الذي يضع إطار قانوني متكاملا ينظم طبيعة عمله، ويعزز الحوكمة، ويرفع كفاءة إدارة الأصول، ويوفر بيئة أكثر استقرار وجاذبية للاستثمار.
ولا يقتصر الهدف من مشروع القانون على تنظيم الهيكل الإداري، وإنما يمتد إلى بناء نموذج مؤسسي أكثر قدرة على استيعاب التوسع في المشروعات، وإدارة الشراكات الاستثمارية، وتسريع إجراءات التنفيذ، بما يواكب طبيعة المشروعات الكبرى، ويعزز ثقة المستثمرين في البيئة المؤسسية التي تعمل من خلالها.
توافق مع متطلبات مؤسسات التمويل الدولية
ويأتي هذا التطور المؤسسي متوافق مع التوجهات الحديثة التي تتبناها مؤسسات التمويل والتنمية الدولية، والتي أصبحت تضع تطوير الأطر القانونية، وتعزيز الحوكمة، ورفع مستويات الشفافية والإفصاح، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، ضمن المتطلبات الأساسية لدعم المشروعات الكبرى وتمويلها.
وفي هذا الإطار، يسهم مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر في بناء بيئة مؤسسية أكثر توافق مع أفضل الممارسات الدولية، من خلال توفير إطار قانوني واضح، وتنظيم العلاقة بين مختلف الأطراف، وتعزيز كفاءة إدارة الأصول، وتهيئة مناخ استثماري أكثر استقرار، بما يدعم فرص التعاون مع المؤسسات الدولية، ويزيد من قدرة الدولة على جذب الاستثمارات والتمويلات التنموية.
ويمثل هذا التوجه امتداد لسياسات الدولة المصرية الهادفة إلى تعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتحقيق التوازن بين الدور التنموي للدولة، ومشاركة المستثمرين في تنفيذ وإدارة المشروعات، بما ينعكس على رفع معدلات النمو، وزيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل.
التنمية العمرانية والتكنولوجيا
وامتد نشاط الجهاز إلى التنمية العمرانية من خلال مشروعات تستهدف إنشاء مجتمعات متكاملة ترتبط مباشرة بالمشروعات الزراعية والصناعية واللوجستية.
ويأتي مشروع “جريان” في مقدمة هذه المشروعات باعتباره نموذج لربط التنمية العمرانية بالمشروعات الإنتاجية، من خلال إنشاء مجتمع عمراني متكامل في قلب منطقة الدلتا الجديدة، بما يعظم الاستفادة من البنية الأساسية التي تم تنفيذها، ويخلق فرص استثمارية جديدة في قطاعات الإسكان والخدمات والتجارة.
كما يمثل مشروع “زمرة” امتداد لهذا التوجه، في إطار رؤية تستهدف تنويع المحافظ الاستثمارية للجهاز، وتعظيم العائد الاقتصادي من الأصول، وخلق مجتمعات حديثة تستجيب لمتطلبات التنمية خلال المرحلة المقبلة.
وبالتوازي مع ذلك، يتوسع الجهاز في الاستثمار بالاقتصاد الرقمي، من خلال مشروعات تعتمد على التحول الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والخدمات التكنولوجية، بما يعزز قدرة الدولة على مواكبة التحولات العالمية في الاقتصاد الرقمي، ويرفع كفاءة الإدارة والتشغيل، ويخلق فرص استثمارية جديدة في قطاع التكنولوجيا.
التوسع نحو أفريقيا
ويمتد الدور الاقتصادي لجهاز مستقبل مصر إلى خارج الحدود المصرية، من خلال دعم توجه الدولة نحو تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات التنموية.
ويعمل الجهاز على نقل الخبرات المصرية في مجالات الزراعة الحديثة، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، وإدارة الموارد، إلى عدد من الدول الأفريقية، بما يسهم في دعم جهود التنمية بالقارة، ويخلق فرص جديدة للشركات المصرية، ويعزز مكانة مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا للتنمية والاستثمار.
كما يمثل هذا التوسع فرصة لبناء شراكات اقتصادية طويلة الأجل، تدعم الأمن الغذائي الإقليمي، وتفتح اسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وتعزز التكامل الاقتصادي بين مصر والدول الأفريقية.
و أن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بات يمثل نموذج اقتصادي جديد يجمع بين الإنتاج والاستثمار وإدارة الأصول والتصنيع والخدمات اللوجستية والتنمية العمرانية والتحول الرقمي، بما يعزز جذب رؤوس الأموال، ويرسخ مبادئ الحوكمة والشفافية، ويدعم تحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030 والتنمية الاقتصادية المستدامة.


