في الأعمال الدرامية، يُعدّ الصدق هو العنصر الأساسي والمحوري في نجاح العمل. هكذا تعيش أعمال، وتسقط أخرى. فالمشاهد قد يتقبل الخيال، لكنه لا يستطيع أن يتقبل ما يكسر منطقه الداخلي ويخرجه من دائرة التصديق.
انظر، مثلًا، إلى فيلم «الإنس والنمس»، بطولة محمد هنيدي ومنة شلبي، قصة وإخراج شريف عرفة. ستجد أمورًا كثيرة ناقصة أوقعت الفيلم في حفرة الرفض. فالمطلوب منك أن تصدق أن السيارة يمكن أن تصدم «الجنيه» وأن الإنسان هو الذي ينقذها! تخيل أن يقول لك شخص: «كان فيه جني خبطته عربية ومات». هذه لا تصلح حتى نكتة بايخة.
وهذا مجرد مثال، لكنه يكفي لإخراج المشاهد من دائرة التصديق، حتى مع الصورة المعروفة في المخيال الشعبي عن الجن.
ويمكنك أن تطبق ذلك على العديد من الأعمال الفنية. فالمشكلة ليست دائمًا في الفكرة، وإنما في التفاصيل التي تجعل الفكرة قابلة للتصديق داخل عالم العمل.
والأهم أن هذه «الأشياء الناقصة» لا تظهر في الأعمال الفنية وحدها، بل أصبحت تخدش أيضًا صور رجال دين وسياسيين ومثقفين، وتسقطهم من فوق الكراسي المريحة، وتلقي بهم في الهاوية.
تخيل أسقفًا يعظ ليل نهار عن المحبة والسلام، ويقدم نفسه بوصفه وكيلًا للسيد المسيح، رمز الغفران والمحبة. ثم لا يقبل أي نقد، مهما كان قاسيًا، ولا يحتمل أن تمس الكلمات صورته أو مكانته.
والأغرب أنه، طوال أسبوع الآلام، يعدد الإهانات التي تعرض لها السيد المسيح: شتائم، وبصق، وخيانة، وجلد، واستهزاء، ومع ذلك غفر المسيح للجميع.
لكن عندما يصل الأمر إلى ذاته، يصبح الأمر مختلفًا!
فمع كل الطقوس والعظات، تظهر الأنياب عند أول احتكاك حقيقي بالنقد: استخدام السطوة والهيبة والعلاقات والبلاغات، وكل أدوات النفوذ.
ويتجاهل قواعد السيد المسيح في التعامل مع من يخطئ إليك: «إن أخطأ إليك أخوك…»؛ بل إن المفارقة تصبح أكبر عندما تكون القوانين الكنسية التي يدعي الدفاع عنها تمنع أصلًا اللجوء إلى السلطات الزمنية في مثل هذه الأمور.
هنا يتجلى «النقص» في القاع، فتسقط المصداقية فورًا في بحر ملوش قرار، ويتأكد المشاهد أن هناك شيئًا ما ناقصًا.
ومن أسقف إلى آخر، نجد من يشكك في طائفة أخرى بناءً على أقاويل وشائعات، دون تروٍّ أو تدقيق أو بحث. والمطلوب منك أن تستمع إلى حكايات عن رؤى وأحلام شاهدها، وكأنها أصبحت مصادر للحقيقة!
طيب، لماذا لا تكشف لك هذه الرؤى السماوية عن الحقائق، بدلًا من أن تسقط في قاع المرويات وجلسات المصاطب؟
وهناك أسقف ثالث، يحمل في قلبه كراهية لأسقف استشهد في ديره، ويرفض حتى أن يوصف بالشهيد!
تخيل المفارقة: أسقف طالب بمحبة «داعش» والصلاة لأجلها، لا يستطيع أن يحب زميلًا له استشهد غدرًا، ويستكثر عليه لقب «شهيد»، ويقدم الحجج بأن الرجل لم يمت من أجل إيمانه بالمسيح.
متجاهلًا أن الكنيسة نفسها تطلق لقب الشهداء على كثير من الرهبان الذين قتلهم البربر، وكان هدف القتلة في كثير من الأحيان السرقة والسلب، وليس محاربة العقيدة المسيحية.
إذن، أين المشكلة؟
المشكلة أن الصورة لا تتطابق مع الأصل.
أن تتحدث عن المحبة، ثم تستخدم القسوة عندما تُمسّ شخصيًا.
أن تتحدث عن الغفران، ثم تبحث عن العقاب عندما تكون أنت المجني عليه.
أن تعظ الناس بقبول الآخر، ثم ترفض الآخر عندما يختلف معك.
أن تتحدث عن الحقيقة، ثم تستند إلى الشائعة.
أن تقدم نفسك باعتبارك رجل الله، ثم تسمح للسلطة والسطوة والعلاقات أن تتحدث باسمك.
هنا يشعر المشاهد بأن هناك «شيئًا ما ناقصًا».
وقد كثرت هذه الأشياء الناقصة جدًا في الفترة الأخيرة. ربما يكون الفضل في ذلك للسوشيال ميديا، التي رفعت الستار عن كثير مما كان يختبئ خلف الصور الرسمية، وربما لأن «المكياج» أصبح رديئًا، أو لأن بعض عناصر التمثيل لم تعد مكتملة.
لكن المؤكد أن الجمهور لم يعد يكتفي بالصورة.
يريد أن يصدق.
وعندما لا يصدق، لا تنفع كل العظات، ولا الألقاب، ولا الملابس، ولا الكراسي، ولا الهالة المحيطة بالشخص.
لأن هناك دائمًا تفصيلة صغيرة تفضح المشهد كله.
أفيه قبل الوداع:
«هي الناس اتلمّت علينا كده ليه؟»
فترد هيفاء وهبي وهي تنزل من المرجيحة في فيلم «دكان شحاتة»:
«يظهر إننا نسينا نشتري بنطلون!»
والمشكلة أحيانًا ليست في أن الناس اتلمّت عليك…
المشكلة إنك نازل لهم من غير بنطلون!


