أظهرت بيانات أولية تراجع حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز إلى مستويات تقل بشكل واضح عن متوسط الأيام العشرة الماضية، في مؤشر يعكس استمرار الحذر لدى شركات الشحن والطاقة رغم التحركات السياسية الجارية لتهدئة الأوضاع في المنطقة.
وبحسب بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن، عبرت 5 سفن فقط محملة بالسلع الأولية مضيق هرمز يوم الثلاثاء، مقابل متوسط بلغ نحو 15 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة الماضية.
وأوضحت البيانات أن ناقلتين تحملان غاز البترول المسال وناقلة محملة بالقار غادرت المضيق، بينما دخلت ناقلتان فارغتان إلى الممر المائي من جهة خليج عمان.
وكانت 4 سفن فقط لشحن السلع الأولية قد عبرت المضيق يوم الاثنين، ما يشير إلى استمرار ضعف الحركة مقارنة بالمستويات المعتادة.
وقد تتغير هذه الأرقام لاحقًا، في ظل قيام بعض السفن بإيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال خلال الرحلات، وهو ما قد يؤثر على البيانات الفورية الخاصة بحركة المرور البحرية.
باب المندب يحافظ على مستويات مستقرة
في المقابل، لم تشهد حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب تغيرًا كبيرًا، إذ أظهرت بيانات «كبلر» عبور 31 سفينة للسلع الأولية، مقارنة بـ29 سفينة في اليوم السابق، وهو مستوى يتماشى مع المتوسط المسجل خلال الأيام العشرة الماضية.
ويكشف هذا التباين بين هرمز وباب المندب أن الضغوط الحالية تتركز بصورة أكبر على المضيق الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.
تحركات إيرانية عُمانية لتهدئة الأوضاع
يأتي تراجع حركة الملاحة بالتزامن مع إعلان إيران استئناف محادثاتها مع سلطنة عمان بشأن إدارة مضيق هرمز، في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة على طهران.
وبحث الجانبان إمكانية إنشاء ممر ملاحي مشترك ومؤقت، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات بشأن إزالة الألغام من المضيق، في محاولة لتخفيف المخاطر التي تواجه حركة السفن.
لكن محللين يرون أن هذه التحركات، رغم أهميتها، قد لا تكون كافية وحدها لإعادة حركة تدفقات النفط والغاز إلى طبيعتها.
وقالت «آي إن جي إيكونوميكس» إن التوصل إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عمان لا يعني بالضرورة عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها المعتادة، مشيرة إلى أن الأمر قد يتطلب تخفيف العقوبات الأميركية ورفع القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية.
خبير: التراجع يعكس استمرار حالة الحذر
وقال الدكتور أيمن عبد المقصود الخبير الاقتصادي إن انخفاض حركة العبور عبر مضيق هرمز من متوسط 15 سفينة إلى نحو 5 سفن يوميًا يعكس استمرار حالة الحذر الشديد لدى شركات الشحن والطاقة، حتى مع بدء تحركات سياسية لخفض حدة التوتر.
وأضاف أن شركات الملاحة لا تنظر فقط إلى وجود اتفاقات سياسية أو ترتيبات مؤقتة، وإنما تركز بصورة أساسية على مستوى المخاطر الأمنية الفعلية، وتكاليف التأمين، واحتمالات تعرض السفن أو الشحنات لأي اضطرابات.
وأوضح أن عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها تحتاج إلى استقرار مستدام وليس مجرد تهدئة مؤقتة، مشيرًا إلى أن الشركات الكبرى غالبًا ما تحتاج إلى فترة من الاستقرار قبل إعادة تغيير مساراتها التشغيلية.
مخاطر على النفط والغاز
وأشار الخبير إلى أن أهمية مضيق هرمز تتجاوز عدد السفن التي تعبره، نظرًا إلى دوره المحوري في حركة تجارة النفط والغاز عالميًا.
وأوضح أن أي اضطراب ممتد في المضيق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وزيادة أسعار الطاقة، ورفع درجة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
وأضاف أن استمرار تراجع حركة ناقلات الطاقة قد يفرض ضغوطًا إضافية على أسعار النفط والغاز، خاصة إذا تزامن مع انخفاض المخزونات أو زيادة الطلب العالمي.
كما قد يدفع بعض المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة للإمدادات، وهو ما يرفع تكاليف النقل ويزيد الضغوط على سلاسل التوريد.
التأمين والشحن في دائرة التأثر
وقال الخبير إن أول القطاعات التي تتأثر عادة بالتوترات في الممرات البحرية هي شركات التأمين والشحن، إذ ترتفع علاوات المخاطر على السفن التي تمر بالمناطق المتوترة.
وتنعكس زيادة تكلفة التأمين بصورة مباشرة على تكلفة نقل النفط والغاز والسلع، ثم تنتقل تدريجيًا إلى أسعار المستهلكين، خصوصًا في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة والمواد الخام.
وأشار إلى أن استمرار هذه الأوضاع لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النقل البحري عالميًا، خاصة إذا اضطرت الشركات إلى استخدام مسارات أطول وأكثر تكلفة.
هل ترتفع معدلات التضخم؟
أكد الخبير أن استمرار اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز يمكن أن يضيف ضغوطًا تضخمية جديدة على الاقتصاد العالمي، خصوصًا إذا أدى إلى ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة والنقل.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط لا يؤثر فقط على الوقود، وإنما يمتد إلى تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات والسلع الغذائية والصناعية.
وأوضح أن الدول المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تعرضًا لهذه الضغوط، في حين قد تستفيد الدول المصدرة للنفط جزئيًا من ارتفاع الأسعار، لكنها ستظل معرضة أيضًا لتباطؤ التجارة العالمية إذا استمرت الأزمة.
اتفاق الملاحة وحده لا يكفي
وشدد الخبير على أن الحديث عن إنشاء ممر ملاحي مؤقت أو إزالة الألغام يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي وحده لإعادة الثقة إلى شركات الشحن والأسواق.
وأوضح أن تطبيع حركة الملاحة يتطلب حزمة أوسع من التطورات، تشمل تخفيف التوتر السياسي بين إيران والولايات المتحدة، وانخفاض المخاطر العسكرية، وتحسن بيئة العقوبات والقيود المفروضة على الموانئ والتجارة الإيرانية.
وأضاف أن الأسواق ستتعامل مع أي اتفاق بحذر في البداية، وستنتظر مؤشرات عملية تؤكد انخفاض المخاطر قبل عودة حركة السفن إلى مستوياتها الطبيعية.
ثلاثة مؤشرات تحدد اتجاه الأزمة
وأشار الخبير إلى أن الأسواق ستراقب خلال الفترة المقبلة ثلاثة مؤشرات أساسية لتحديد اتجاه الأزمة.
ويأتي في مقدمتها عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز يوميًا، باعتباره المؤشر الأكثر مباشرة على عودة الثقة إلى شركات الملاحة.
أما المؤشر الثاني فهو تكلفة التأمين والشحن، إذ إن انخفاض هذه التكلفة سيعكس تراجع تقييم المخاطر.
ويتمثل المؤشر الثالث في حدوث انفراجة سياسية حقيقية بين إيران والولايات المتحدة، لأن أي تسوية سياسية ستظل العامل الأكثر تأثيرًا في استعادة حركة التجارة والطاقة إلى مستويات مستقرة.
هرمز يظل نقطة ضغط على الاقتصاد العالمي
ويظل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية، ما يجعل أي تراجع في حركة الملاحة من خلاله محل متابعة واسعة من الحكومات وشركات الطاقة والأسواق المالية.
ورغم المحادثات الإيرانية العُمانية ومحاولات تخفيف المخاطر، فإن عودة حركة السفن إلى طبيعتها ستظل مرهونة بتحسن مستدام في الوضع الأمني والسياسي.
وأكد الخبير أن استمرار عبور أعداد محدودة من السفن مقارنة بالمتوسط المعتاد يعني أن الأسواق لم تستعد الثقة بعد، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على النفط والغاز وتكاليف الشحن، ويمتد تأثيره في النهاية إلى معدلات التضخم والنمو الاقتصادي العالمي.


