
قالت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية وخبيرة أسواق المال، إن زيادة مشتريات البنك المركزي المصري من الذهب تأتي في توقيت تشهد فيه الأسواق العالمية ظروفًا جيوسياسية واقتصادية صعبة، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة عملات عدد من الاقتصادات المتأثرة بالحرب الأمريكية الإيرانية، وهو ما يعزز أهمية الذهب كأحد الأصول الرئيسية الداعمة للاحتياطيات.
وأوضحت رمسيس، أن زيادة الأرصدة الذهبية تساهم في دعم قيمة الاحتياطيات وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسواق وأسعار الصرف، لا سيما خلال الفترات التي تتعرض فيها بعض مصادر النقد الأجنبي لضغوط.
وأضافت أن موارد النقد الأجنبي في مصر تعتمد على عدة مصادر، من بينها تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وحصيلة الصادرات، وإيرادات قناة السويس، إلى جانب التمويل الخارجي والمنح وأدوات الدين، فيما يمثل الذهب أحد الأصول المهمة ضمن مكونات الاحتياطي.
وأشارت إلى أن انخفاض إيرادات قناة السويس خلال بعض الفترات، إلى جانب المخاوف المرتبطة بإمكانية تأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج بالأوضاع الجيوسياسية في عدد من دول الخليج، يزيد من أهمية تنويع مكونات الاحتياطي وعدم الاعتماد على مصدر واحد للنقد الأجنبي.
وأكدت أن الذهب يؤدي في هذه الظروف دورًا مهمًا كأداة للتحوط والحفاظ على القيمة، ويساعد على دعم قدرة الاحتياطيات على مواجهة التقلبات الخارجية.
ارتفاع الذهب يرفع القيمة السوقية لحيازات المركزي
وقالت رمسيس إن الارتفاع الكبير في أسعار الذهب عالميًا انعكس بصورة إيجابية على قيمة الرصيد الذي يحتفظ به البنك المركزي المصري، خاصة أن عمليات الشراء تمت عند مستويات سعرية مختلفة وقبل وصول الأوقية إلى المستويات الحالية.
وأوضحت أن جانبًا من مشتريات الذهب تم عندما كانت الأوقية تتحرك بالقرب من مستوى ألفي دولار، فيما جرت مشتريات أخرى عند مستويات تقترب من 2300 دولار، ما يعني أن ارتفاع سعر الأوقية لاحقًا إلى مستويات تتجاوز 4 آلاف دولار أدى إلى زيادة القيمة السوقية لهذه الحيازات وتحقيق مكاسب رأسمالية انعكست على قيمة الاحتياطي.
وأضافت أن ارتفاع الاحتياطي من النقد الأجنبي إلى 57.21 مليار دولار لا يرتبط بالذهب وحده، إلا أن زيادة الكميات التي يحتفظ بها البنك المركزي بالتزامن مع ارتفاع أسعار المعدن الأصفر شكلا أحد العوامل التي ساهمت في تعزيز قيمة الرصيد خلال أغسطس.
لماذا تزيد البنوك المركزية حيازاتها من الذهب؟
وأوضحت رمسيس أن الذهب يظل واحدًا من الأصول التي تلجأ إليها البنوك المركزية عالميًا خلال فترات ارتفاع التضخم وعدم اليقين الجيوسياسي، نظرًا إلى قدرته على الحفاظ على القيمة وتقليل الاعتماد الكامل على العملات الأجنبية.
وأضافت أن قرارات البنوك المركزية والدول بشأن شراء الذهب أو بيعه لا ترتبط فقط بتوقعات اتجاه الأسعار، وإنما تتحدد كذلك وفق الاحتياجات الاقتصادية والنقدية لكل دولة وأهدافها في إدارة الاحتياطيات.
وأشارت إلى أن بعض الدول نفذت خلال فترات سابقة عمليات بيع للذهب لأسباب تتعلق بإدارة الاحتياطيات أو دعم عملاتها المحلية وسداد الالتزامات المستحقة عليها.
ولفتت إلى أن بيع جزء من الاحتياطي الذهبي قد يستخدم في بعض الحالات لتعزيز السيولة أو دعم قدرة الدولة على سداد المديونيات، وبالتالي فإن تحركات الدول في سوق الذهب تختلف باختلاف ظروفها الاقتصادية والمالية.
الذهب بين 4500 و4300 دولار
وأشارت رمسيس إلى أن سوق الذهب شهدت في وقت سابق عمليات بيع مكثفة عندما اقترب سعر الأوقية من مستوى 4500 دولار، الأمر الذي دفع الأسعار إلى التراجع إلى نحو 4300 دولار.
وأضافت أن بعض المستثمرين توقعوا في ذلك الوقت استمرار التراجع وهبوط سعر الأوقية إلى أقل من 4 آلاف دولار، إلا أن استمرار الطلب العالمي وتكوين مراكز جديدة في الذهب من جانب عدد من الدول ساهما في توفير دعم للأسعار.
وأوضحت أن دولًا صناعية كبرى، وفي مقدمتها الهند، تحافظ على حضور قوي في سوق الذهب، في الوقت الذي تتجه فيه دول أخرى إلى البيع أو الشراء وفقًا لاحتياجاتها المتعلقة بالاحتياطيات والسيولة والعملات المحلية.
هل الوقت مناسب لشراء الذهب للمواطنين؟
وحول توقيت شراء الذهب بالنسبة للمواطنين، أكدت رمسيس أن المعدن الأصفر يظل مناسبًا لمن يستهدف الادخار والحفاظ على قيمة أمواله على المدى الطويل، خاصة إذا لم تكن لديه خبرة كافية في أدوات استثمارية أخرى.
وأوضحت أن الاستثمار العقاري قد يمر بفترات من الهدوء النسبي، بينما يحتاج الاستثمار في البورصة إلى درجة من المعرفة والخبرة لا تتوافر بالضرورة لجميع الأفراد، وهو ما يجعل الذهب أحد الخيارات التقليدية والمفضلة لدى شريحة من المدخرين.
وأضافت أن توجه الأفراد نحو اقتناء الذهب يتشابه في بعض الجوانب مع سلوك الدول والبنوك المركزية، إذ ينظر إليه باعتباره أداة للتحوط والادخار والحفاظ على القيمة خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
شراء الذهب للادخار يختلف عن المضاربة
وأكدت رمسيس أن قرار شراء الذهب لا يتطلب بالضرورة انتظار مستوى سعري بعينه بالنسبة لمن يستهدف الاحتفاظ بالمعدن لفترات طويلة بغرض الادخار.
لكنها أوضحت أن الوضع يختلف بالنسبة للمتعامل الذي يستهدف تحقيق أرباح من فروق الأسعار، إذ يجب عليه حساب جميع التكاليف المرتبطة بعمليات البيع والشراء قبل اتخاذ القرار.
وأضافت أن هذه التكاليف تشمل الدمغة والضرائب والفارق بين سعري الشراء والبيع، وهي عناصر قد تؤثر بصورة مباشرة في حجم الربح الحقيقي الذي يحققه المستثمر.
وشددت على أن تقييم الاستثمار في الذهب لا يجب أن يعتمد فقط على مقارنة سعر الشراء الحالي بسعر البيع في المستقبل، وإنما يتعين حساب جميع التكاليف المرتبطة بالمعاملة قبل تحديد حجم المكسب أو الخسارة الفعلية.
الذهب يظل ملاذًا آمنًا
وأكدت رمسيس أن الذهب سيظل أحد أهم الملاذات الآمنة بالنسبة للأفراد والدول والحكومات حول العالم، خاصة في ظل ارتفاع معدلات التضخم واستمرار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي وتقلب أسعار العملات.
وأضافت أن الاحتفاظ بحصة من الذهب ضمن مكونات الاحتياطيات يمكن أن يعزز قدرة الدول على مواجهة تقلبات أسعار الصرف والوفاء بالتزاماتها الخارجية.
وأوضحت أن تنويع الاحتياطيات وزيادة الاعتماد على أصول تحافظ على قيمتها في أوقات الأزمات يدعمان الاستقرار الاقتصادي، كما يساهمان في تعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها والاستمرار في تمويل احتياجاتها ودعم معدلات التنمية.

