
كشف تحليل أجراه «ممصر24الذهب» أن سهولة تسييل الذهب تمثل واحدة من أهم مزاياه الاستثمارية مقارنة بالأصول الأقل سيولة، إلا أن هذه الميزة قد تتحول في الوقت نفسه إلى مصدر للمخاطر حال استخدامها في تحويل التمويل إلى نقد، أو المضاربة بأموال مقترضة، أو إخفاء مصدر الأموال ونقل الثروة عبر الحدود بعيدًا عن القنوات الرسمية.
تداولات الذهب العالمية تسجل 430 مليار دولار يوميًا
وتؤكد بيانات مجلس الذهب العالمي عمق سوق الذهب وقدرته على توفير السيولة، إذ ارتفع متوسط تداولات المعدن عالميًا بنسبة 21% على أساس شهري، ليصل إلى نحو 430 مليار دولار يوميًا خلال أغسطس 2026.
وتوزعت هذه التداولات بين 226 مليار دولار في السوق خارج البورصة، و195 مليار دولار في العقود المتداولة بالبورصات، إلى جانب 8.7 مليار دولار في صناديق الذهب المتداولة عالميًا.
كما بلغ حجم التداول نحو 3021 طنًا يوميًا، مسجلًا زيادة شهرية قدرها 11%.
ووصلت الأصول المدارة بواسطة صناديق الذهب المتداولة عالميًا إلى مستوى قياسي قدره 615 مليار دولار بنهاية أغسطس، بينما ارتفعت حيازاتها إلى مستوى تاريخي بلغ 4189 طنًا.
وأوضح مجلس الذهب العالمي أن سيولة الذهب لا تجف عادة خلال فترات الضغوط المالية، بما يسمح للمستثمرين بتغطية التزاماتهم عندما يصعب بيع أصول أخرى، أو عندما تتعرض تلك الأصول لتسعير لا يعكس قيمتها العادلة.
وليد فاروق: سيولة الذهب تتجاوز مجرد القدرة على بيعه
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «ممصر24الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن سيولة الذهب لا تعني مجرد القدرة على بيعه، وإنما تعني وجود سوق قادر على امتصاص المعروض وتحويله إلى نقد خلال فترة زمنية قصيرة.
وأضاف أن هذه الميزة تتيح للأفراد الدخول إلى الاستثمار والخروج منه بسهولة نسبية، كما توفر للأسر احتياطيًا يمكن تسييله وقت الطوارئ، دون الاضطرار إلى بيع أصل كبير مثل العقار أو الانتظار عدة أشهر حتى إتمام الصفقة.
التصدير يدعم سيولة سوق الذهب في مصر
وأوضح التحليل أن قدرة السوق المصرية على تسييل الذهب لا تعتمد على الطلب المحلي وحده، وإنما ترتبط أيضًا بإمكانية تجميع الذهب المستعمل وإعادة صهره وتكريره، ثم توجيهه إلى الأسواق الخارجية عندما يتجاوز المعروض احتياجات السوق المحلية.
وتساعد حركة التصدير على امتصاص الكميات التي يعيد المستهلكون بيعها، والحد من الضغوط الناتجة عن زيادة المعروض، إلى جانب تحويل الذهب المتداول محليًا إلى مورد للنقد الأجنبي.
متى يتحول الذهب إلى «نقد غير مباشر»؟
تظهر المخاطر عندما يجري شراء الذهب من خلال التمويل أو التقسيط، ثم يعاد بيعه فورًا للحصول على النقد، إذ لا يكون الهدف الحقيقي في هذه الحالة امتلاك المعدن، وإنما تحويل الحد الائتماني إلى سيولة، مع تحميل العميل أقساطًا وفوائد أو تكاليف تمويل.
وقد يشجع هذا النموذج كذلك على المضاربة الممولة بالديون، إذ يشتري العميل الذهب دون امتلاك ثمنه، ثم يراهن على ارتفاع السعر بما يتجاوز تكلفة التمويل وفروق الشراء والبيع.
وفي حال انخفاض السعر أو اضطرار العميل إلى البيع سريعًا، يجتمع عليه تراجع قيمة الذهب مع استمرار التزامه بسداد الأقساط.
حظر تمويل شراء الذهب عبر شركات التمويل الاستهلاكي
وفي 16 سبتمبر 2026، حظرت الهيئة العامة للرقابة المالية تمويل شراء سبائك ومشغولات الذهب والفضة والبلاتين من خلال شركات التمويل الاستهلاكي، استنادًا إلى أن هذه المنتجات تمثل أدوات استثمارية ولا تدخل ضمن السلع والخدمات الاستهلاكية التي يجوز تمويلها وفقًا للقانون.
ويرى «ممصر24الذهب» أن القرار يغلق أيضًا قناة كان من الممكن استخدامها لشراء أصل شديد السيولة بالتقسيط ثم إعادة بيعه سريعًا، بما يحول التمويل إلى نقد غير مباشر.
إلا أن الممصر24شدد على أن هذا التفسير يمثل قراءة اقتصادية لأثر القرار، بينما لم تذكر الهيئة العامة للرقابة المالية أن غسل الأموال كان سببًا مباشرًا لإصداره.
لماذا قد يجذب الذهب عمليات غسل الأموال؟
بحسب التحليل، تنبع المخاطر من الخصائص نفسها التي تمنح الذهب قوته الاستثمارية، فهو أصل مرتفع القيمة مقارنة بحجمه، وقابل للنقل والصهر وإعادة التشكيل، كما يمكن تحويله من مشغولات إلى سبائك أو العكس، ويتمتع بقبول واسع في الأسواق العالمية.
وتشير مجموعة العمل المالي الدولية «فاتف» إلى إمكانية استخدام الذهب لتخزين الأموال غير المشروعة أو نقلها، بسبب احتفاظه بالقيمة وسهولة تحويله وتبادله، إلى جانب إمكانية إخفاء هوية مالكه في المعاملات غير الموثقة.
وتمتد المخاطر من مراحل التعدين والتهريب إلى التكرير وتجارة الجملة والتجزئة وإعادة البيع.
وقد تستخدم عمليات غسل الأموال من خلال شراء الذهب بعائدات غير مشروعة ثم بيعه وإظهار حصيلة البيع باعتبارها ناتجة عن تجارة قانونية، أو عبر استخدام فواتير غير دقيقة، والمبالغة في القيمة أو الوزن، وتدوير الذهب بين شركات ودول متعددة.
ولا يعني ذلك أن البيع النقدي أو تصدير الذهب يمثلان في حد ذاتهما غسلًا للأموال، إذ يرتبط الاشتباه بمصدر الأموال، وهوية الأطراف، وتكرار العمليات، ومدى تناسبها مع النشاط الاقتصادي المعلن.
الإمارات تشدد الرقابة على تجارة الذهب
وتقدم الإمارات نموذجًا للموازنة بين الحفاظ على مركز عالمي لتجارة الذهب وتشديد الرقابة على القطاع، إذ أخضعت تجار المعادن والأحجار الثمينة لمتطلبات التعرف على العميل والمستفيد الحقيقي، والاحتفاظ بسجلات المعاملات، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
كما ألزمت مصافي الذهب بتتبع مصادر المعدن وحركة المخزون والمعاملات، وفحص الموردين.
ويتعين على المسافرين الإفصاح عن النقد والذهب والمجوهرات والأحجار الثمينة إذا تجاوزت قيمتها 60 ألف درهم.
68 سبيكة ذهب في أكبر قضية غسل أموال بسنغافورة
وفي سنغافورة، كشفت أكبر قضية غسل أموال في تاريخ البلاد عن أصول غير مشروعة تجاوزت 3 مليارات دولار سنغافوري، مرتبطة بعائدات عمليات احتيال ومراهنات إلكترونية خارج البلاد.
وضبطت السلطات ضمن الأصول 68 سبيكة ذهبية، إلى جانب عقارات وسيارات ومجوهرات وساعات فاخرة وأموال نقدية وعملات مشفرة.
وأُدين 10 متهمين في القضية، بينما فرضت سلطة النقد السنغافورية في يوليو 2025 غرامات بلغ مجموعها 27.45 مليون دولار سنغافوري على تسع مؤسسات مالية، بعد اكتشاف قصور في تقييم مخاطر العملاء، والتحقق من مصادر ثرواتهم، ومتابعة العمليات المشبوهة.
وتوضح القضية أن الذهب استُخدم إلى جانب العقارات والمجوهرات والأصول الفاخرة لتحويل جزء من الأموال إلى ثروة مادية قادرة على الاحتفاظ بالقيمة وإعادة البيع.
بريطانيا تلاحق غسل عائدات إجرامية عبر الذهب
وفي بريطانيا، أعلنت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في مارس 2025 سجن شخصين في قضية تضمنت التخطيط لاستيراد كوكايين بقيمة تُقدر بنحو 190 مليون جنيه إسترليني، إلى جانب غسل عائدات إجرامية من خلال الذهب.
كما حصلت الوكالة، في قضية أخرى خلال عام 2024، على أمر بمصادرة 8 كيلوجرامات من الذهب عُثر عليها داخل سيارة «بنتلي» مرتبطة بشخص أُدين بتقديم خدمات لغسل أموال جماعات إجرامية.
الصين وأستراليا توسعان متطلبات مكافحة غسل الأموال
واتجهت دول أخرى إلى توسيع نطاق الرقابة، إذ أخضعت الصين تجار المعادن والأحجار الثمينة، منذ أغسطس 2025، لالتزامات مكافحة غسل الأموال عند تنفيذ معاملات نقدية كبيرة.
وتشمل الالتزامات التحقق من هوية العميل والمستفيد الحقيقي، والاحتفاظ بالسجلات، والإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة.
وفي أستراليا، توسعت المنظومة الرقابية لتشمل تجار المعادن والأحجار الثمينة والمجوهرات، مع التحقق من العملاء ومصادر الأموال في الحالات مرتفعة المخاطر.
الاتحاد الأوروبي يعامل الذهب الاستثماري كوسيلة لنقل القيمة
أما الاتحاد الأوروبي، فأدخل العملات والسبائك الذهبية ضمن مفهوم «النقد» الخاضع للإفصاح الجمركي، إذا بلغت القيمة الإجمالية التي يحملها المسافر 10 آلاف يورو أو أكثر.
ويعكس ذلك التعامل مع الذهب الاستثماري باعتباره وسيلة يمكن استخدامها لنقل القيمة عبر الحدود.
تنظيم تسييل الذهب لا تعطيله
وخلص تحليل «ممصر24الذهب» إلى أن مواجهة المخاطر لا تستدعي تقييد عمليات البيع المشروعة أو إضعاف قدرة المواطنين على تسييل مدخراتهم، لأن سهولة التخارج تمثل جزءًا أساسيًا من القيمة الاقتصادية للذهب، لكن المطلوب هو جعل العمليات الكبيرة أو غير المعتادة قابلة للتتبع.
وتشمل الإجراءات الضرورية إصدار فواتير واضحة، والتحقق من هوية العميل ومصدر الأموال في المعاملات الكبيرة أو المتكررة، وتشجيع استخدام وسائل الدفع المصرفية، إلى جانب تتبع السبائك من المنتج أو المستورد حتى المشتري النهائي.
مؤشرات قد تثير الاشتباه في معاملات الذهب
وتتمثل أبرز مؤشرات الاشتباه في الشراء المتكرر بمبالغ نقدية كبيرة، أو تجزئة الصفقة لتجنب حدود الإفصاح، أو استخدام أشخاص متعددين، أو عدم تناسب المشتريات مع دخل العميل، أو إعادة البيع السريع دون مبرر اقتصادي، أو نقل الذهب عبر الحدود دون مستندات تثبت مصدره.
وقال وليد فاروق إن «سيولة الذهب ميزة يجب الحفاظ عليها، لكن السيولة دون تتبع قد تتحول إلى ثغرة؛ ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف تعطيل البيع، بل ضمان معرفة مصدر الذهب ومسار انتقاله في العمليات الكبيرة».
وتظل المعادلة الأساسية هي الحفاظ على الذهب كأصل سهل التسييل يوفر المرونة للمدخرين والسوق، مع منع تحوله إلى وسيلة للحصول على تمويل نقدي مقنّع، أو نقل قيمة مجهولة المصدر، أو تنفيذ مضاربات ممولة بالديون.

