في ظل توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من أصولها العقارية وتحقيق أفضل عائد اقتصادي منها، تبرز فكرة إنشاء صندوق استثمار عقاري متخصص لإدارة أصول هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن أن تنقل إدارة هذه الأصول من الاعتماد على بيع الأراضي وتحقيق عائد لمرة واحدة إلى تبني نموذج استثماري أكثر استدامة يقوم على التطوير والتأجير والشراكات الاستثمارية وإعادة توظيف العوائد في مشروعات جديدة.
ويطرح هذا التوجه تساؤلا حول مدى قدرة الصندوق على إحداث تحول في أسلوب إدارة الأراضي والعقارات المملوكة للدولة، وتحويلها من أصول يتم التصرف فيها إلى مصادر مستمرة للإيرادات والنمو الاقتصادي.
في هذا السياق، أكد سعيد حسانين، استشاري التخطيط العمراني في تصريح خاص لـ “مصر24”، أن إنشاء صندوق استثمار عقاري لإدارة أصول هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة يمثل خطوة مهمة نحو تعظيم القيمة الفعلية لهذه الأصول، من خلال إدارتها وفق رؤية استثمارية متكاملة تضع في الاعتبار طبيعة كل أصل، وأفضل استخدام اقتصادي وعمراني له بدلا من الاعتماد على البيع باعتباره الخيار الأساسي للاستفادة منه.
من البيع المباشر إلى تعظيم العائد المستدام
وأوضح حسانين أن صندوق الاستثمار العقاري يمكن أن يوفر آلية أكثر مرونة في التعامل مع الأراضي والمباني التابعة للهيئة إذ لا تقتصر مهمته على تطوير الأراضي وبيعها، وإنما تمتد إلى دراسة البدائل الاستثمارية المتاحة أمام كل أصل، سواء من خلال التأجير وتحقيق إيرادات دورية أو الدخول في شراكات مع شركات التطوير العقاري أو تطوير المشروعات وإعادة استثمار العوائد الناتجة عنها في فرص جديدة.
وأشار إلى أن الفارق الأساسي بين بيع الأصول العقارية واستثماره على المدى الطويل يتمثل في طبيعة العائد المحقق فالبيع يوفر تدفقات ماليه عند إتمام الصفقة، بينما قد يتيح الاحتفاظ بالأصل وتطويره أو تأجيره وتحقيق إيرادات متكررة على مدار سنوات، فضلا عن إمكانية الاستفادة من ارتفع قيمته السوقية مستقبلا ويتوقف اختيار البديل الأنسب على طبيعة الأرض وموقعها واستخدامها والطلب المتوقع عليها إلى جانب تكلفة التطوير والعائد المنتظر والمخاطر المرتبطة بكل خيار.
محفظة ضخمة من الأصول تتيح تنويع الفرص الاستثمارية
ولفت استشاري التخطيط العمراني إلى أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تمتلك محفظة متنوعة من الأصول العقارية تشمل الأراضي والمباني والمشروعات السكنية والتجارية والإدارية والصناعية والخدمية، موزعة على المدن الجديدة بمختلف أنحاء الجمهورية.
وأشار إلى أن الهيئة تتبع نحو 39 مدينة إلى جانب أكثر من 20 مدينة أخرى تحت الدراسة، فيما تبلغ مساحة الأراضي التي تمثل أصولا عقارية نحو 2.2 مليون فدان وهو ما يعكس حجم الفرص المتاحة أمام كيان متخصص في الإدارة والاستثمار العقاري.

وأضاف أن التنوع لهذه الأصول يسمح بتطبيق نماذج استثمارية مختلفة بدلا من التعامل معها جميعا بالآلية نفسها فبعض الأراضي قد يكون بيعها بعد تجهيزها هو الخيار الأكثر ملائمة، بينما يمكن الاحتفاظ بأراض أخرى لتطوير مشروعات تجارية وإدارية وخدمية تحقق إيرادات دورية أو الدخول في شراكات مع القطاع الخاص لتطوير مشروعات سكنية واستثمارية مع توزيع تكاليف التطوير والمخاطر وفقا لشروط كل شراكة.
وتشمل هذه الفرص المدن الجديدة الكبرى مثل القاهرة الجديدة والسادس من أكتوبر والعاصمة الإدارية الجديدة والشيخ زايد إلى جانب المدن الساحلية والمدن الجديدة في الدلتا والصعيد والمحافظات الحدودية، ويتيح هذا الانتشار الجغرافي بحسب طبيعة الأصول ومستويات الطلب إمكانية تنويع الاستثمارات وعدم الاعتماد على نشاط عقاري واحد أو منطقة بعينها.
الشراكات والتأجير وإعادة الاستثمار.. بدائل لتعظيم قيمة الأصول
وأكد استشاري التخطيط العمراني أن الصندوق المقترح يمكن أن يسهم في تطوير آليات التعامل مع الأراضي والعقارات التابعة للهيئة من خلال المفاضلة بين البيع والتأجير والشراكة والتطوير المباشر بما يحقق أفضل عائد اقتصادي ممكن لكل أصل ويمكن وعلى سبيل المثال، تطوير بعض الأراضي وإقامة مشروعات تجارية أو إدارية عليها ثم تأجير الوحدات والمساحات الناتجة عنها لتحقيق تدفقات مالية متكررة بدلا من بيع المشروع بالكامل والحصول على عائد لمرة واحدة.
كما يمكن للصندوق الدخول في شراكات مع شركات التطوير العقاري بحيث يقدم الأرض أو يشارك في إتاحتها وفقًا للضوابط المنظمة بينما يتولى الشريك تنفيذ المشروع وتمويله أو المساهمة في تمويله، على أن توزع العوائد وفقًا لشروط تعاقدية واضحة وتتيح هذه الآلية الاستفادة من خبرات القطاع الخاص وقدراته التمويلية والتسويقية مع الحفاظ على حقوق الدولة وضمان تحقيق عائد مناسب من أصولها.
وأضاف أن إعادة استثمار العوائد الناتجة عن البيع أو التأجير أو الشركات في تطوير أصول أخرى يمكن أن تخلق دورة استثمارية متجددة تسهم في تمويل مشروعات جديدة ورفع القيمة الاقتصادية للمحفظة العقارية بمرور الوقت، غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب دراسة الجدوى الاقتصادية لكل مشروع وتحديد التكاليف والعوائد المتوقعة وعدم الاحتفاظ بأصول لا تحقق عائدا مناسبا لمجرد توقع ارتفاع قيمتها مستقبلا.
الإدارة الاحترافية والحوكمة شرط لنجاح التجربة
وشدد استشاري التخطيط العمراني على أن الانتقال إلى نموذج الاستثمار العقاري طويل الأجل يتطلب وجود إدارة احترافية تضم خبراء في التقييم العقاري والتخطيط العمراني وإدارة المشروعات والاستثمار إلى جانب الاعتماد على قواعد بيانات دقيقة تتيح حصر الأصول وتحديد مواقعها وحالتها القانونية والعمرانية وتقييم قيمتها السوقية والفرص المتاحة لاستغلالها.
وأشار إلى أهمية وضع معايير واضحة المفاضلة بين بدائل الاستثمار مما يشمل العائد المتوقع وفترة استرداد التكاليف ومستوى المخاطر واحتياجات السوق ومدى توافق المشروع مع خطط التنمية العمرانية كما تتطلب التجربة إطارا فعالا للحكومة والرقابة والإفصاح، مع الفصل الواضح بين إدارة الأصول وتقييمها والقرارات الخاصة ببيعها أو تطويرها بما يدعم كفاءة استخدام الموارد ويحافظ على حقوق الدولة.
وأوضح أن الاستثمار طويل الأجل لا يعني الامتناع عن بيع الأراضي بصورة مطلقة وإنما يعني التعامل مع البيع باعتباره أحد الخيارات المتاحة ضمن استراتيجية شاملة لإدارة المحفظة العقارية بحيث يتم بيع الأصل عندما يحقق ذلك أفضل عائد مناسب والاحتفاظ به أو تطويره أو تأجيره عندما تكون هذه البدائل أكثر جدوى.
واختتم حسانين تصريحاته بالتأكيد على أن إنشاء صندوق استثمار عقاري متخصص يمكن أن يمثل أداة مهمة لتطوير أسلوب إدارة أصول هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة من خلال الانتقال من التركيز على العائد الناتج عن التصرف في الأراضي إلى إدارة محفظة استثمارية قادرة على تحقيق إيرادات متنوعة ومتكررة مع إعادة توظيف جزء من هذه العوائد في مشروعات جديدة.

