قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن التراجعات الحادة التي تشهدها سوق العملات المشفرة خلال الفترة الراهنة لا يمكن التعامل معها باعتبارها حركة تصحيحية عابرة، موضحا أن ما يحدث يعكس تحولات هيكلية عميقة تضرب هذا السوق من جذوره، وتمثل في جوهرها إعادة تسعير شاملة للمخاطر المرتبطة بالأصول الرقمية.
وأوضح معطي في تصريحات خاصة لموقع مصر24 نيوز، أن القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفرة كانت قد تجاوزت في وقت سابق حاجز 3 تريليونات دولار، قبل أن تتراجع بصورة ملحوظة، بالتزامن مع هبوط أسعار العملات الكبرى، وعلى رأسها بيتكوين التي تراجعت من مستويات تاريخية قرب 124 ألف دولار إلى حدود 84 ألف دولار، ما أسفر عن خسائر واسعة في سوق اعتاد على التقلبات، لكنه لم يكن مهيأً لحجم التحول التنظيمي الجاري على المستوى العالمي.
قانون جينيوس وإعادة رسم السوق
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن السبب الرئيسي وراء هذه التراجعات يتمثل في التحرك الأمريكي الحاسم لتنظيم سوق العملات المشفرة، عبر إقرار ما يُعرف بـ«قانون جينيوس»، الذي يُلزم شركات العملات المستقرة بالحصول على تراخيص رسمية للعمل داخل الولايات المتحدة، مع اشتراط الاحتفاظ بسندات خزانة أمريكية كغطاء، وهو ما يعني عمليًا إدخال العملات المستقرة، ومن خلفها سوق العملات المشفرة ككل، تحت المظلة التنظيمية المباشرة للدولة الأمريكية.
وأضاف معطي أن جزءًا كبيرًا من جاذبية العملات المشفرة تاريخيًا كان قائمًا على كونها أصولًا غير منظمة، تعمل خارج سيطرة الحكومات والبنوك المركزية، وتوفر درجة عالية من الخصوصية وعدم التتبع. إلا أن هذا التصور، بحسب قوله، تلقى ضربة مباشرة بعد أن باتت وزارة الخزانة الأمريكية قادرة على تتبع التحويلات الرقمية، ومراقبة حركة الأموال، بل ومصادرة الأصول المشفرة المرتبطة بأنشطة غير قانونية.
وأكد أن الولايات المتحدة نجحت بالفعل في مصادرة كميات كبيرة من العملات المشفرة من جماعات مصنفة إرهابية وكيانات خاضعة للعقوبات، لدرجة أنها باتت تمتلك ما يشبه احتياطيًا استراتيجيًا من بيتكوين مصدره هذه المصادرات، وهو ما يقوض فكرة التحرر الكامل التي لطالما جرى الترويج لها داخل سوق العملات المشفرة.
وتابع معطي أن تشديد الرقابة على التحويلات المشفرة أضعف بشكل واضح استخدام هذه العملات في عمليات غسل الأموال والالتفاف على العقوبات الدولية، ما أدى إلى تقلص حجم الطلب الحقيقي عليها، ودفع شريحة واسعة من المستثمرين إلى إعادة تقييم جدوى الاحتفاظ بها كأداة للتحوط أو كبديل للنظام المالي التقليدي.
صعود الذهب يضغط على الذهب الرقمي
وفي سياق متصل، أشار الدكتور أحمد معطي إلى أن الصعود القوي للذهب شكّل عامل ضغط إضافيًا على سوق العملات المشفرة، موضحًا أن المعدن النفيس سجل ارتفاعات قياسية تجاوزت 64% خلال العام الماضي، إلى جانب مكاسب تقارب 18% منذ بداية يناير، وهو ما أعاد توجيه جزء معتبر من السيولة نحو الأصول التقليدية الآمنة.
وأوضح أن المقارنة التي جرى الترويج لها طويلًا بين بيتكوين بوصفه «الذهب الرقمي» والذهب الحقيقي باتت تميل بوضوح لصالح المعدن النفيس، لا سيما في فترات عدم اليقين، ما دفع كثيرًا من المستثمرين، خصوصًا أصحاب الرهانات قصيرة الأجل، إلى الخروج من سوق العملات المشفرة والتوجه نحو الذهب.
وأكد الخبير الاقتصادي أن طبيعة مستثمري العملات المشفرة، الذين يسعون في الغالب إلى تحقيق أرباح سريعة، لم تساعد على الصمود أمام فترات التماسك الطويلة والتراجع التدريجي، وهو ما قاد إلى موجات تصفية واسعة للمراكز الاستثمارية، معتبرًا أن ما يشهده السوق حاليًا هو نتيجة طبيعية لتصادم سوق عالي المخاطر مع واقع تنظيمي ومالي أكثر صرامة.
العملات المشفرة والتوترات الجيوسياسية
وأضاف معطي أن العملات المشفرة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أداة فاعلة في قلب التوترات الجيوسياسية العالمية، بعدما جرى استخدامها من قبل دول خاضعة لعقوبات اقتصادية مشددة، مثل فنزويلا وإيران وروسيا وكوريا الشمالية، كوسيلة للالتفاف على القيود المفروضة على أنظمتها المالية والتجارية.
وأوضح أن هذا الاستخدام المكثف من جانب دول عالية المخاطر دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى التعامل مع ملف العملات المشفرة باعتباره تهديدًا مباشرًا للنظام المالي العالمي، وليس مجرد سوق استثماري عالي التذبذب، مشيرًا إلى أن ذلك كان أحد المحركات الرئيسية لتسريع وتيرة التنظيم والرقابة.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن هذا التحول التنظيمي لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضتها تطورات الواقع الجيوسياسي والمالي العالمي، لافتًا إلى أن إدخال العملات المشفرة تحت المظلة القانونية يأتي ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ضبط الأسواق عالية المخاطر وتقليص دورها في تأجيج الأزمات الدولية.








