منذ اللحظة التي حجزت فيها تذكرتي إلى الهند، شعرت بمزيج من الفضول والتوقعات؛ كانت في ذهني صورة البلاد التي لطالما سمعت عنها، بلد التناقضات الساحرة، حيث تتقاطع الحضارات والتاريخ مع الحداثة بطريقة تجعل القلب يرفرف شوقًا. وعندما وطأت قدماي أرض جايبور لأول مرة، أدركت أن الهند ليست مجرد بلد على الخريطة، بل تجربة حياة كاملة، مليئة بالألوان والروائح والأصوات التي تأسر الحواس.
جاءت زيارتي للهند بدعوة للمشاركة في فعاليات سياحية دولية بولاية ماديا براديش، حيث جمعت الرحلة بين العمل الصحفي واكتشاف بلد ظل حاضرًا في مخيلتي لسنوات. ومع أول خطوة لي في مدينة جايبور، بدأت الرحلة الحقيقية.
جايبور، المدينة الوردية في قلب ولاية راجستان، كانت البداية الساحرة. لحظة نزولي من القطار، شعرت وكأنني انتقلت إلى عصر آخر؛ الحصون الشاهقة والقلاع الملكية التي تتباهى بعراقتها جعلتني أحيانًا أعتقد أنني أتنقل بين صفحات كتاب تاريخي حيّ. الأسواق الشعبية كانت ثرية بالألوان الزاهية، من الأقمشة المطرزة يدويًا إلى الحلي والمجوهرات الصغيرة التي تلمع تحت أشعة الشمس. لم يكن الأمر مجرد رؤية، بل تجربة حية؛ رائحة التوابل الممزوجة بالبهارات، وهدير الحياة في الشوارع، وصيحات الباعة التي تتقاطع مع ضحكات الأطفال، كل ذلك جعلني أشعر بأن المدينة نفسها تتنفس معي.
وبينما كنت أغوص في أزقة جايبور، صادفت بعض السكان المحليين الذين رحبوا بي بابتسامة صادقة، وشاركوني قصصًا عن تاريخ المدينة وعاداتها. شعرت أن الوقت يتباطأ هناك، وأن كل زاوية في المدينة تحمل حكاية خاصة، وكل حجر على الأرض له صدى من الماضي. كانت هذه البداية التي جعلت قلبي مفتوحًا على تجربة أكبر وأكثر عمقًا.
بعد أيام ساحرة في جايبور، توجهت إلى بوبال، عاصمة ولاية ماديا براديش. بوبال كانت مختلفة تمامًا؛ المدينة الحديثة التي تجمع بين الطبيعة والمباني، حيث البحيرات الهادئة وحدائقها المزهرة تمنحك شعورًا بالسكينة بعد صخب جايبور. استكشفت المتاحف والمعابد القديمة، وكل منها كان يروي جانبًا جديدًا من ثقافة الهند الداخلية، جانبًا يختلف عن الواجهة الملكية لجايبور. شعرت هناك أن الهند ليست مجرد تاريخ أو حضارة، بل حياة متجددة، تتنفس مع كل يوم جديد، وأن لكل مدينة نبضها الخاص الذي يترك أثره على الروح.
ثم جاءت أغرا، تلك المدينة الصغيرة التي تحمل واحدة من أعظم تحف العالم: تاج محل في ولاية أوتار براديش. لم يكن مجرد صرح، بل لحظة ساحرة توقف فيها الزمن. حين وقفت أمامه لأول مرة، شعرت بالدهشة التي لا توصف؛ الرخام الأبيض الذي يلمع تحت أشعة الشمس، الزخارف الدقيقة التي تحكي قصة حب خالد، والحدائق المرتبة بعناية تجعل كل شيء يبدو وكأنه حلم. هناك، أدركت كيف يمكن للتاريخ والفن أن يلمسا قلب الإنسان بطريقة مباشرة، وكيف أن الحب، حتى بعد قرون، يمكن أن يترك أثرًا خالدًا في العالم.
بعد هذه اللحظات الساحرة، انتقلت إلى مومباي، عاصمة ولاية ماهاراشترا، المدينة التي لا تنام. مومباي مختلفة تمامًا عن أي مدينة زرتها في الهند؛ صخبها وحيويتها وشوارعها المزدحمة جعلتني أحيانًا أشعر أن كل شيء فيها يتحرك بسرعة الضوء. المباني الحديثة تعانق الأسواق الشعبية، والفقراء والغنياء يتقاطعون في الشوارع نفسها، والبحر يلامس المدينة بأمواجه الصاخبة. في مومباي، شعرت بالطاقة النابضة بالحياة، وروح الإبداع التي تجعل المدينة تنبض بلا توقف، وكأنها قلب الهند الاقتصادي والثقافي. كل ليلة كنت أعود إلى فندقي وأنا أحمل معي صور المدينة التي ترفض أن تهدأ، صورة لا تنسى من أصواتها وألوانها وحركتها الدائمة.
واختتمت رحلتي في نيودلهي، قلب إقليم العاصمة الوطنية دلهي، العاصمة الرسمية للهند، حيث تتخذ الحكومة المركزية قراراتها وتحتضن أجمل معالم الهند التاريخية والسياسية. من الأسواق الشعبية التي تعج بالحياة، إلى القلعة الحمراء والمساجد العريقة، شعرت أن كل حجر هنا يحكي قصة طويلة عن حضارة وصبر وتواصل بين العصور. المدينة نفسها مزيج بين القديم والحديث؛ الأحياء القديمة التي ما زالت تحتفظ بسحرها العتيق، والمباني الحديثة التي تعكس الوجه المعاصر للهند. كنت أسير في شوارعها وأتأمل، أشعر بالنبض الحقيقي لهذا البلد، وكيف أن التاريخ والحياة اليومية يلتقيان بطريقة فريدة.
الهند التي أحببتها لم تكن مجرد مدن ومعالم، بل كانت رحلة في النفس والحواس. الألوان، الروائح، الأصوات، وحتى اللقاءات العابرة مع الناس، كلها عناصر جعلت التجربة حية ومؤثرة. كل مدينة أضفت بعدًا جديدًا لتجربتي، وكل لحظة كانت فرصة لفهم كيف يمكن للحياة أن تتشابك بطريقة تجعل القلب يعتاد على التنوع والثراء الثقافي.
كنت أستيقظ في الصباح على أصوات الشوارع، وأغلق عيني في المساء وأنا أحمل ذكريات اليوم، وأجد نفسي أبتسم لمجرد التفكير في مشهد صغير أو ركن مخفي في إحدى المدن. الهند بالنسبة لي ليست مجرد مكان على الخريطة؛ إنها شعور، تجربة، رحلة إلى أعماق النفس قبل أن تكون رحلة إلى أعماق البلد. أحببتها بكل تناقضاتها، بكل صخبها وهدوءها، بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، وكل ابتسامة التقيتها، وكل رائحة طعام أو توابل مررت بها، وكل معلم تاريخي شاهدته.
وعندما عدت إلى بيتي، شعرت أن جزءًا من قلبي بقي هناك، بين شوارع جايبور، وحدائق بوبال، وزخارف تاج محل، وصخب مومباي، وهدوء نيودلهي. الهند التي أحببتها لم تترك لي مجرد ذكريات، بل أعطتني تجربة حياة كاملة، جعلتني أرى العالم بعيون أوسع، وبقلب أكثر انفتاحًا على جمال التناقضات.
هكذا رأيتها… لا كوجهة سياحية، بل كحكاية إنسانية تُروى.







