شهدت أسواق السندات الحكومية العالمية موجة بيع حادة، نتيجة الضغوط التي فرضتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على الأسواق المالية العالمية، والتي تعاني بالفعل من حالة توتر متزايدة نتيجة المخاوف المرتبطة بارتفاع معدلات التضخم.
وأكد الدكتور محمد عبد الهادي الخبير الاقتصادي، تراجع أسعار السندات بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، وسط مخاوف متصاعدة من أن يؤدي استمرار الصراع مع إيران لفترة طويلة إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وهو ما قد يقوض الآمال التي كانت تراهن عليها الأسواق بشأن توجه البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف خبير أسواق المال أن العوائد على السندات، رغم أنها قلصت جزء من مكاسبها بالتدريج خلال جلسات التداول في الولايات المتحدة، فإن هذا التطور يعكس قدرا من التفاؤل لدى بعض المتعاملين في الأسواق الأمريكية، بأن النزاع لن يتحول إلى أزمة طويلة الأمد.
وأشار الخبير، إلى أن هذا التفاؤل النسبي يرتبط أيضا بتمتع الولايات المتحدة بوضع أقوى نسبيا في سوق الطاقة مقارنة بالاقتصادات الأوروبية التي تعتمد بشكل أكبر على الواردات.
وأوضح عبد الهادي، أن هذه التحركات تمثل أحدث مؤشر على تعرض المكانة التقليدية للسندات الحكومية كملاذ آمن لضغوط متزايدة، وهو ما يضيف مزيدا من التعقيد أمام المستثمرين في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية في ظل بيئة مالية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين.
مخاوف التضخم وأسعار الطاقة
وفيما يتعلق بمخاوف التضخم، أوضح عبد الهادي أن القفزة في أسعار الطاقة جاءت في توقيت لا تزال فيه العديد من البنوك المركزية حول العالم، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تكافح من أجل احتواء معدلات تضخم لا تزال أعلى من المستويات المستهدفة.
وأشار إلى أن هذه التطورات تأتي في مرحلة حساسة من دورة السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، حيث لا تسمح الظروف الحالية بتجاهل أي ارتفاعات حتى وإن كانت مؤقتة في الأسعار، وهو ما يعكس محدودية قدرة البنك المركزي الأمريكي على استيعاب صدمات الأسعار دون إجراء تعديلات محتملة في مسار السياسة النقدية.
وأضاف عبد الهادي أن التوقعات تشير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي، الذي يشهد في الوقت نفسه انقسام داخلي بين صناع القرار بشأن اتجاه السياسة النقدية، قد يتجه إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لعدة أشهر قادمة، في ظل استمرار الضغوط التضخمية المرتفعة.
ولفت إلى أن التقلبات التي شهدتها الأسواق، خاصة مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية في البداية عقب اندلاع النزاع، تعكس حالة واضحة من عدم اليقين لدى المستثمرين بشأن التداعيات الاقتصادية النهائية للصراع.
وأوضح أن الأسواق تواجه صعوبة في تحديد اتجاه واضح خلال الفترة الحالية، وهو ما يفسر التحركات الحادة التي تشهدها الأسعار خلال جلسات التداول اليومية.
عوائد السندات قصيرة الأجل
وفي السياق ذاته، أشار عبد الهادي إلى تحذيرات صدرت عن عدد من المؤسسات الاقتصادية الدولية، من بينها البنك المركزي الأوروبي، بشأن احتمال أن يؤدي اندلاع حرب طويلة في الشرق الأوسط إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم داخل منطقة اليورو، وهو ما قد يترافق مع تباطؤ في وتيرة النمو الاقتصادي في القارة الأوروبية.
وأوضح خبير أسواق المال أن عوائد السندات قصيرة الأجل، خاصة تلك التي تستحق خلال عامين، سجلت ارتفاعات ملحوظة على مستوى عدد من الاقتصادات الكبرى، وإن كانت لا تزال أقل من المستويات القياسية التي سجلتها في وقت سابق.
وأشار عبد الهادي إلى أن مدة استمرار النزاع لا تزال غير واضحة حتى الآن، إلا أن التأثير الأكثر وضوحًا يظهر في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يعزز المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن المستثمرين بدأوا بالفعل في استحضار سيناريو “صدمة الطاقة” الذي شهدته الأسواق العالمية في عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو السيناريو الذي أدى آنذاك إلى موجة تضخم كبيرة لا تزال آثارها مستمرة حتى الآن.
وأوضح أن موجة البيع في أسواق السندات تفاقمت نتيجة تمركز العديد من المستثمرين مسبقًا على توقعات بارتفاع السندات، وهو ما زاد من حدة التحركات في السوق عقب اندلاع النزاع الحالي.
وأشار إلى أن أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط والغاز، وهو ما يجعلها أكثر حساسية تجاه أي اضطرابات في أسواق الطاقة، خاصة مع الارتفاع الحاد في الأسعار في ظل شبه توقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
وفيما يتعلق بأسواق الطاقة، قال الخبير الاقتصادي، أن أسعار النفط شهدت ارتفاعا ملحوظا، حيث ارتفع خام برنت بنسبة 2.5% ليصل إلى نحو 80.31 دولارًا للبرميل، بعدما كان قد لامس في وقت سابق مستوى 85.12 دولارًا، وهو أعلى مستوى يسجله منذ يوليو 2024.
كما قفزت أسعار الغاز الأوروبية بالجملة بنحو 35% إلى 40% خلال تعاملات يوم الاثنين، قبل أن ترتفع بأكثر من 40% إضافية خلال تعاملات الثلاثاء، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات.
وأشار عبد الهادي إلى أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية شهدت أيضًا ارتفاعًا خلال يومي الاثنين والثلاثاء، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار النزاع لفترة طويلة إلى زيادة الضغوط على الموازنات العامة، بالإضافة إلى اتجاه بعض المستثمرين، بما في ذلك حاملو السندات الأجانب، إلى بيع السندات بهدف تعزيز مستويات السيولة.
سباق نحو السيولة
وأوضح أن ما يحدث حاليًا في الأسواق يمكن وصفه بأنه “سباق نحو السيولة”، حيث يسعى المستثمرون إلى زيادة احتياطياتهم النقدية تحسبًا لمزيد من التقلبات في الأسواق العالمية.
وفيما يتعلق بتوقعات السياسة النقدية، أشار عبد الهادي إلى أن لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا تستعد لعقد اجتماع مهم في وقت لاحق من الشهر الجاري، في ظل انقسام واضح بين صناع القرار حول ما إذا كانت الأولوية يجب أن تكون لمكافحة التضخم أو لدعم النمو الاقتصادي.
وأضاف أن توقعات الأسواق بشأن خفض أسعار الفائدة شهدت تراجعًا ملحوظًا، حيث أصبح احتمال خفض الفائدة لا يتجاوز 30% حاليًا، مقارنة بنحو 75% يوم الجمعة الماضي.
كما لم تعد الأسواق تسعّر بشكل كامل خفضًا في أسعار الفائدة الأميركية قبل شهر سبتمبر المقبل بدلًا من يوليو، في حين ارتفعت احتمالات قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة بحلول نهاية العام إلى نحو 17%، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى خفض بنحو 40% خلال الأسبوع الماضي.
واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالإشارة إلى أن البيانات الاقتصادية الصادرة مؤخرًا أظهرت ارتفاع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 1.9% على أساس سنوي خلال الشهر الماضي، في الوقت الذي ارتفعت فيه توقعات السوق لمعدلات التضخم خلال العامين المقبلين إلى ما يزيد قليلًا عن 2%، مقارنة بنحو 1.8% يوم الجمعة الماضي.
وأضاف أن تحليلات البنك المركزي الأوروبي تشير إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط بهذا الشكل قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم بنحو نصف نقطة مئوية، وهو ما قد يدفع صناع السياسة النقدية إلى توخي الحذر الشديد عند اتخاذ أي قرارات تتعلق بأسعار الفائدة، خاصة مع صعوبة تقدير التأثير الكامل للنزاع الحالي على الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة.








