صرح الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، بأن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وعلى رأسها اندلاع الحرب التي أدت إلى قطع جزء كبير من إمدادات الصين من الغاز الطبيعي والبترول، تمثل تحولا استراتيجيا كبيرا في خريطة الطاقة العالمية، مشيرا إلى أن هذه التحركات قد تأتي في إطار ما يمكن وصفه بمحاولات “خنق الصين” اقتصاديا عبر إعادة تشكيل تدفقات الطاقة.
وأوضح عبد الهادي في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز”، أنه في هذا السياق، تم الإعلان عن بدء العمل على مشروع ضخم لتصدير الغاز الطبيعي المسال من ولاية ألاسكا الأمريكية إلى شرق آسيا، في خطوة تهدف إلى تأمين إمدادات بديلة للدول الحليفة وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
غاز ألاسكا
وأشار إلى أن ولاية ألاسكا تمتلك واحداً من أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، وهو حقل “برودهو باي”، حيث يقدر احتياطيه بنحو 35 تريليون قدم مكعب، وهو حجم يقارب الاحتياطي الإيراني، ما يمنح المشروع ثقلا استراتيجيا كبيرا على المدى الطويل.
وأضاف أن المشروع يتضمن إنشاء محطات إسالة عملاقة بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون طن سنويا، على أن تكون جاهزة لتصدير أولى الشحنات بحلول عام 2031، على أن يتم تزويد هذه المحطات بالغاز المستخرج من حقل برودهو باي.
وبين أن البدء الفعلي في تنفيذ المشروع يتطلب إبرام تعاقدات طويلة الأجل لتغطية ما لا يقل عن 80% من الطاقة الإنتاجية السنوية، أي ما يعادل نحو 16 مليون طن، وذلك نظرا لضخامة التكلفة الاستثمارية التي تُقدر بنحو 45 مليار دولار.
وأكد عبد الهادي أنه خلال الأسابيع الثلاثة الماضية تم إحراز تقدم كبير في هذا الاتجاه، حيث تم التوصل إلى اتفاقات مع عدد من الدول الآسيوية، من بينها اليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وتايوان، لاستيراد نحو 13 مليون طن سنوياً، وهو ما يعني أن المشروع يحتاج فقط إلى تعاقدات إضافية بنحو 3 ملايين طن سنوياً لبدء التنفيذ الفعلي.
ولفت إلى أن من أبرز مزايا هذا المشروع أنه سيختصر زمن نقل الغاز الطبيعي المسال إلى شرق آسيا، حيث يمكن أن تصل الشحنات خلال نحو أسبوع واحد عبر المحيط الهادئ، مقارنة بفترة تتراوح بين 20 إلى 25 يوماً عند الشحن من شرق الولايات المتحدة عبر قناة بنما، وهو ما يمنحه ميزة تنافسية كبيرة من حيث الوقت والتكلفة.
وأوضح أن هذه التطورات ستؤدي إلى تقليل اعتماد الدول الحليفة على إمدادات الغاز القادمة من الشرق الأوسط، وكذلك الغاز الروسي، مما يعيد رسم خريطة الاعتماد العالمي على مصادر الطاقة.
وأشار إلى أنه من المتوقع أن يساهم هذا المشروع الضخم، في حال اكتماله، في الضغط على أسعار الغاز الطبيعي المسال عالمياً، نظراً لأن طاقته الإنتاجية تمثل نحو 25% من حجم الغاز الطبيعي المسال الذي يتم نقله عبر مضيق هرمز.
أهمية السيطرة على مضيق هرمز
وأضاف أن تحقيق أقصى استفادة من هذه التحولات يتطلب أيضا السيطرة على مضيق هرمز لضمان استمرار تدفق الإمدادات إلى مختلف دول العالم، مع استثناء الصين من هذه المنظومة الجديدة لإعادة توزيع الطاقة.
واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن هذه التحركات تعكس مرحلة جديدة من التنافس الاقتصادي العالمي، حيث أصبحت الطاقة أداة رئيسية في الصراع الجيوسياسي وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.








