يسعى الأسطورة الفرنسية زين الدين زيدان إلى كتابة فصل جديد في مشواره ورحلته رفقة الساحرة المستديرة، وكما جرت العادة لن يكون فصلًا اعتياديًا ولا حدثا عابرا بل سيكون إعادة لتشكيل مفهوم جديد وإضافة حجر من نور في مسيرة مليئة بالإنجازات.
تتعالى الأصوات داخل المجتمع الفرنسي وتنهال الطلبات والترشيحات على الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، لتعيين زين الدين زيدان كمدرب للمنتخب الفرنسي خلفًا لأسطورة تدريبية أيضًا ألا وهو ديديه ديشامب.
كشفت الأيام الماضية ومن أكثر من مصدر صحفي، أنه سيتم إسناد مهام تدريب منتخب الديوك إلى زيدان، بعد كأس العالم القادم 2026، خاصة وأنه آخر مرحلة في مشوار ديشامب مع منتهخب فرنسا، كما أعلن من قبل.
تعرف المجتمعات الأوروبية بالغطرسة ونبذ كل ما هو غريب عن الثقافة والأصول الأوروبية، لكن السؤال لماذا كل هذا الاحتفاء بلاعب سابق ومدرب من أصول عربية!؟
زين الدين زيدان في مقابلة صحفية من قبل: «أنا على صلة بالعالم العربي. في دمي، عن طريق والدي. أنا فخور جدًا بكوني فرنسيًا، لكنني أيضًا فخور جدًا بأن لدي هذه الجذور وهذا التنوع.»
زيدان من حي لا كاستيلان إلى ملامسة السماء
ولد زين الدين زيدان في حي لا كاستيلان في مدينة مارسيليا، حيث الجريمة في تتناثر في كل أرجاء المدينة، حالها كحال الفقر والجوع، ولكن زيزو في جذوره شيء من أجداده محابري الصحراء، كانت العزيمة للخروج وانتشال أهله من هذه البقعة هي المحرك الرئيسي له.
نشأ زيدان وحب كرة القدم يجري في دمه، وكانت محبوبته الأولى، حيث بزغ نجمه في نادي كان أحد أمدية الدرجة الرابعة الفرنسية، قبل أن تلتقطه أعين كشافة نادي بوردو، في عام 1996، ومن هنا بدأت مسيرة زيدان في أخذ منحنى تصاعدي إلى الآن.
انتقل “زيزو” إلى العملاق الإيطالي يوفنتوس ومكث هناك 5 مواسم، قبل أن تأتي المحطة الأبرز في تاريخه، وهي تحقيق حلمه بارتداء قميص ريال مدريد.
ودى انتقال زيدان إلى ريال مدريد بالعالم كله، حيث كانت الصفقة الأغلى في تاريخ الساحرة المسديرة وظل هذا الرقم راسخ لسنوات، وقدرت الصفقة حينها بما يقرب من 77.5 مليون يورو بصيف 2001، وظل زيدان ينثر سحره في أرجاء البرنابيو حتى علق حذائه في نهاية موسم 2006.
زيدان المسيرة الأجمل والأكمل في تاريخ كرة القدم
مررنا بشكل مقتضب على محطات زيدان رفقة الأندية، وكذلك نشأته، ولكن هل مرور زيدان بكل تلك المحطات كان كمرور الكرام، وبدون إرث وأثر يخلد لسنوات.
ففي إيطاليا نجح زين الدين زيدان في التتويج بلقبين من الدوري الإيطالي، ولقب من كأس السوبر الأوروبي والسوبر المحلي والإنتركونتنينتال.
وفي إسبانيا حقق اللقب الأغلى له كلاعب رفقة الأندية وهو دوري أبطال أوروبا، بهدفه التاريخي في مرمى باير ليفركوزن في نهائي عام 2002، وكذلك لقب الدوري في موسم 2002 – 2003، ولقبي سوبر إسباني، ولقب من السوبر الأوروبي، وكأس الإنتركونتينينتال.
لماذا يعشق الفرنسيون زيدان
لم يأتي حب الفرنسيون وعشهم لزيدان وتفضيله على أبناء جلدتهم وأصحاب الأصول الأوروبية من فراغ، بل جاء من استحقاق وما حققه زيزو لمنتخب بلادهم، إذ كانت أقدام زيدان تحسم أولى بطولات كأس العالم للمنتخب الفرنسي في تاريخه عام 1998، وظلت السيطرة الفرنسية على البطولات الدولية رفقة زيدان مستمرة، حيث حقق منتخب فرنسا بطولة دوري الأمم الأوروبية عام 2000 بقيادة زيدان، بأداء يصنفه الخبراء والمحللون كأفضل أداء فردي للاعب عبر التاريخ في بطولة مجمعة.
ولم يكن كأس العالم 2006 بمعزل عن تلك الأداءات الجبارة لمحارب الصحراء، حيث ظهرت بوادر شخصيته التدريبية الجبارة في تلك البطولة، حيث صرح بعض زملائه بعد البطولة أن زيدان من كان يخبرهم بالتعليمات التدريبية والتوجيهات الفنية من أرض الملعب، ولكن لقطة زيدان في النهائي للاعب الإيطالي ماتيرازي حالت بين الفرنسيين واللقب، خسر زيدان حينها اللقب ولكن كسب احترام العالم كله، حينما عُرف السبب.
إنجازات فردية فريدة
يستمر التكامل الرياضي بمسيرة زيدان كذلك في الإنجازات الفردية، حيث حقق زيدان أم الجوائز الفردية “بالون دور” كأفضل لاعب بالعالم عام 1998، وكذلك جائزة “ذا بست” المقدمة من الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” 3 مرات، وجائزة أفضل لاعب في أوروبا المقدمة من الاتحاد الأوروبي “يويفا” مرة.
من أرضية الميدان إلى خطوط التدريب
كما جرت العادة بزين الدين زيدان وأنه خارج عن الطبيعي والمألوف، ليس لأنه قرر بعد اعتزاله كرة القدم أن يتوجه للتدريب، السواد الأعظم من لاعبي كرة القدم يفعلون ذلك، ولكن تفرد زيدان في تلك المنطقة بالنجاح السريع ولكن هل معايير النجاح عند زيدان كمعايير النجاح التقليدية!؟
وضعت الظروف زين الدين زيدان في موقف لا يتمناه أي مدرب في بداية مسيرته، إذ أعلن ريال مدريد إقالة المدرب رافا بينتيز من تدريب النادي، وإسناد مهمة تدريب الجيل التاريخي “جلاتتيكوس” ريال مدريد الجديد لزيدان مدرب فريق الشباب، ليفتح زيدان دفاتره القديمة ويرى أنه مارس تلك المهام من قبل وفي ظروف أصعب في عام 2006 بكأس العالم، هل تتذكر؟
بدأ زيدان مشواره التدريبي مع ريال مدريد من منتصف الموسم، حيث حقق زيدان في فتره الأولى إنجاز تاريخي يصعب تكراره في العصر الحديث إذ حقق ثلاثية تاريخية متتالية من دوري أبطال أوروبا.
وغيرها من البطولات والإنجازات التي توج بها الملكي في عصره، وعاد لتدريب ريال مدريد من جديد في نهاية موسم 2019، حتى موسم 2021، فضل زيدان الابتعاد عن الملاعب ولكن كان يداعب خياله حلم أكبر لختم كرة القدم والنجاح الغير عادي رفقة كل مكان لعب أو درب به، وهو انتظار تدريب منتخب بلاده.
زيدان هو التجسيد الحقيقي لمقولة “هذا الشخص قادر على ردم الهوة بين العادي والاستثنائي”، ولكن الاستثنائي حقًا هو قدرة زيدان على فعل كل هذه الأشياء في مختلف الظروف ومختلف الأماكن والمناصب، وما يميزه حقًا ويميز مسيرته الأسطورية هو ما ذكرناه سلفًا وهو التفوق في كرة القدم بكافة أماكنها، فندرى مدربين عظام مثل بيب جوارديولا وجوزيه مورينيو وحتى أليكس فيرجسون، مميزون فقط في المهام التدريبية ولكن لن يدخلوا حتى في قائمة أفضل 100 لاعب تاريخيًا في مراكزهم، وكذلك لاعبين أسطوريين مثل مارادونا وبيليه لن يذكر لهم نجاح عابر في التدريب، أما زيدان فهو كل هؤلاء.
ولأنه زيدان أينما حل يلتف الجميع حوله كالنحل حول الملكة، يسعى إلى كتابة فصل جديد في حكايته مع الساحرة المستديرة وإن قُدر لها النجاح فمسيرة زين الدين زيدان مع كرة القدم ستكون من الصعب بل من المستحيل تكرارها أبدًا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.


