الموازنة العامة للعام المالي 2026 – 2027، ليست مجرد أرقام على الورق أو زيادات روتينية في الإيرادات والمصروفات، بل تعكس تحولا عميقا في فلسفة إدارة الدولة للاقتصاد.. وبعد سنوات من الأزمات المتتابعة والتحديات الإقليمية والعالمية، بما في ذلك الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على المنطقة، تواجه الدولة مهمة بناء استقرار مالي مستدام يسمح لها بمواجهة الصدمات المستقبلية دون الانزلاق إلى الإعتماد الدائم على الاقتراض.
تحول فلسفي في إدارة الاقتصاد
في هذا السياق، تسعى الموازنة إلى الحد من الاعتماد على ردود الفعل المؤقتة والانتقال إلى نموذج أكثر قدرة على التحمل. الأرقام والإجراءات المعلنة تشير إلى إعادة ترتيب الأولويات بحيث يمكن للدولة أن تنفق وتستثمر وتدعم، دون المساس بالتوازن المالي. أبرز مؤشر على هذا التحول هو السعي لتحقيق فائض أولي كبير، بالتوازي مع خفض ملموس في العجز الكلي، وهو ما يوضح بجلاء رغبة الحكومة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى مرحلة الاستقرار التدريجي.
على مدار السنوات الماضية، فرضت الضغوط الاقتصادية على الدولة سياسات دفاعية في كثير من الأحيان، حيث كان التركيز على التكيف مع الأحداث أكثر من رسم مسار طويل الأمد. اليوم، تحاول الحكومة الخروج من هذا النمط عبر تبني نموذج أكثر صرامة في إدارة الموارد، يعتمد على زيادة الإيرادات بوتيرة أسرع من المصروفات، ما يخلق مساحة مالية يمكن استخدامها في خفض الدين العام بدل تدويره المستمر. هذا التوجه يعكس تحولًا في طريقة التفكير، من التركيز على مواجهة الأزمات إلى محاولة إنهائها تدريجيا وبشكل مستدام.
تعزيز القدرة الذاتية وتقليل الدين العام
في قلب هذا التحول، يظهر الفائض الأولي كأداة أساسية لاستعادة التوازن المالي.. وأري أن تحقيق الفائض يعني أن الدولة قادرة على تغطية نفقاتها الأساسية من مواردها الذاتية، دون اللجوء إلى الاقتراض، مما يسمح بتوجيه جزء من الإيرادات لسداد الالتزامات القديمة وتقليل أعباء الدين، واستمرار هذا المسار يمكن أن يغير شكل المالية العامة خلال السنوات المقبلة، ويقلل من تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار الفائدة وأسواق الدين.
وفي رأيي، الموازنة لم تعد تعتبر الدولة المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي كما في السابق، بل أصبحت تركز على تهيئة بيئة ملائمة للقطاع الخاص لقيادة التنمية.. وقد انعكس ذلك في تخصيص الجزء الأكبر من الاستثمارات للقطاع الخاص، مع تقييد التوسع الحكومي المباشر في بعض المجالات.
هذا التحول، في نظري، يعكس قناعة متزايدة بأن القدرة على النمو المستدام تعتمد على كفاءة القطاع الخاص واستجابته للفرص الاقتصادية، وليس فقط على حجم الإنفاق الحكومي، ومع ذلك، فإن نقل مركز الثقل إلى القطاع الخاص يتطلب بيئة أعمال مستقرة وواضحة، من حيث القواعد التنظيمية، تكلفة التمويل، وسهولة الإجراءات.
نجاح هذا التحول يعتمد على تنفيذ الإصلاحات المصاحبة على أرض الواقع، خاصة في ظل وجود بعض القيود التي قد تبطئ استجابة المستثمرين.
إعادة هيكلة الدعم الحكومي
في هذا السياق تمثل الموازنة، تحولا واضحا في إدارة الدعم الحكومي، من نموذج شامل إلى دعم مستهدف يرتبط بنتائج فعلية.. الموارد العامة ستتجه بشكل أكبر نحو الأنشطة القادرة على تحقيق قيمة مضافة، سواء من خلال زيادة الإنتاج، التصدير، أو خلق فرص عمل. هذا النهج يزيد من كفاءة الإنفاق العام، لكنه يفرض تحديات على الكيانات الأقل قدرة على التكيف مع النموذج الجديد.
في الوقت ذاته، تحافظ الموازنة على مخصصات كبيرة للحماية الاجتماعية، تجاوزت 800 مليار جنيه، بإعتبارها شبكة أمان للفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة. التركيز على الاستهداف الدقيق يعزز كفاءة الإنفاق، لكنه يغير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، فيما يتعلق بالدعم وحدوده.
الدين العام يمثل التحدي الأكبر الذي تسعى الموازنة لمواجهته، إذ يركز خفض نسبته على تعزيز ثقة المستثمرين وتقليل تكلفة الاقتراض، مما يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية أكبر إذا صاحب هذا الانخفاض استقرار في السياسات الاقتصادية، لكن كل هذه المستهدفات تعتمد أيضا على عوامل خارجية خارجة عن سيطرة الدولة، مثل تحركات أسعار الطاقة والغذاء والتقلبات في الأسواق العالمية.. لذلك، تم إدراج أدوات التحوط كخطوة ضرورية لتقليل المخاطر المحتملة، مع الحفاظ على قدر من المرونة في إدارة السياسات الاقتصادية.
إعادة بناء قاعدة مالية قوية
الإيرادات العامة، تستهدف الوصول إلى نحو 4 تريليونات جنيه، وهو مؤشر على رغبة الحكومة في إعادة بناء قاعدة مالية قوية تعتمد على تحصيل الضرائب بكفاءة ودمج الإقتصاد غير الرسمي، وليس مجرد رفع معدلات الضرائب.. في المقابل، المصروفات العامة، رغم ارتفاعها إلى أكثر من 5 تريليونات جنيه، تنمو بوتيرة أقل من الإيرادات، ما يعكس سياسة توسع مالي منضبط، يوازن بين الإنفاق الاجتماعي والاستثماري وضمان تحقيق فائض أولي يستخدم في خفض الدين تدريجيا.
وفي رأيي، الموازنة تعطي الأولوية للصناعات القادرة على التصدير وتقليل الاعتماد على الواردات، ودعم الطاقة المتجددة، بما في ذلك الهيدروجين الأخضر، لتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة.. كما يزداد الاهتمام بالتحول الرقمي والاقتصاد التكنولوجي، من خلال الاستثمار في البنية التحتية ودعم الشركات الناشئة، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل المستقبلي.
القطاع العقاري والتحول في دور الدولة
قطاع العقارات والإنشاءات يشهد تحولا مماثلا، حيث تقل استثمارات الدولة المباشرة، مع التركيز على جذب الاستثمار الخاص والأجنبي لإعادة توازن السوق بعد سنوات من التوسع الكبير في المشروعات القومية.
التحدي الأكبر يكمن في التنفيذ، حيث يعتمد نجاح الموازنة على الانضباط المالي والاستمرارية في السياسات، وقد تتأثر النتائج بعوامل خارجية مثل تقلبات الأسواق العالمية أو التوترات الجيوسياسية، أو تغير أسعار الطاقة والغذاء.. آليات التحوط تمثل وسيلة لإدارة المخاطر، لكنها لا تلغي الحاجة إلى متابعة دقيقة وتنفيذ دؤوب للسياسات.
وأتوقع أن تمثل موازنة 2026 – 2027 نقطة تحول حقيقية في مسار الاقتصاد المصري، فهي لا تقتصر على إدارة التحديات الحالية، بل تحاول وضع أسس مرحلة جديدة تقوم على استدامة مالية ونمو بقيادة القطاع الخاص.. نجاح هذه الرؤية يعتمد على قدرة الدولة على تحقيق توازن بين الإصلاح الاقتصادي واحتياجات المجتمع، وعلى خلق بيئة اقتصادية مستقرة تسمح للقطاع الخاص بالقيام بدوره بكفاءة، مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وإذا تم تنفيذ هذه السياسات بدقة، فقد تمثل الموازنة بداية لمرحلة مختلفة، أما إذا تعثرت، فقد تعود الضغوط الاقتصادية بشكل أشد، ما يجعل هذه الموازنة اختبارا حقيقيا لمسار الإصلاح الاقتصادي في السنوات المقبلة.
الموازنة ليست مجرد أرقام متضخمة أو زيادات اعتيادية
وأشدد علي أنه لا يمكن قراءة الموازنة باعتبارها مجرد أرقام متضخمة أو زيادات اعتيادية في بنود الإيرادات والمصروفات بل هي انعكاس مباشر لتحول عميق في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري حيث تتحرك الدولة بوضوح من مرحلة امتصاص الصدمات المتتالية التي فرضتها الأزمات العالمية والإقليمية، والحرب الامريكية الاسرائيلية علي ايران، وتداعياتها، إلى محاولة بناء حالة من الاستقرار المالي القابل للاستمرار، يقوم على تقليل الاعتماد على ردود الفعل السريعة والانتقال إلى بناء قدرة ذاتية على التحمل حيث تعكس الأرقام المعلنة محاولة لإعادة ترتيب الأولويات بشكل يسمح للدولة بأن تنفق وتدعم وتستثمر دون أن تفقد السيطرة على توازنها المالي، وهو ما يظهر بوضوح في السعي لتحقيق فائض أولي كبير بالتوازي مع خفض ملموس في العجز الكلي.
وفي قلب هذا التحول، يأتي الفائض الأولي الذي تستهدفه الحكومة باعتباره أداة رئيسية لاستعادة التوازن حيث يعني تحقيقه أن الدولة قادرة على تغطية نفقاتها الأساسية من مواردها دون الحاجة إلى الإقتراض، وهو ما يتيح توجيه جزء من الإيرادات لسداد الالتزامات القديمة، وهو مسار إذا استمر يمكن أن يغير شكل المالية العامة خلال سنوات قليلة، ويقلل من حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات أسعار الفائدة وأسواق الدين.. غير أن هذا التحول، لا يخلو من التحديات لأن نقل مركز الثقل إلى القطاع الخاص يتطلب بيئة أعمال أكثر استقرارا ووضوحا من حيث القواعد التنظيمية وتكلفة التمويل وسهولة الإجراءات وهو ما يعني أن نجاح هذه الرؤية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب في الموازنة بل على كيفية تنفيذ الإصلاحات المصاحبة لها على أرض الواقع خاصة في ظل استمرار بعض القيود التي قد تحد من سرعة استجابة المستثمرين.
الحفاظ على مخصصات كبيرة للحماية الاجتماعية يعكس إدراكا واضحا من الدولة
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الحفاظ على مخصصات كبيرة للحماية الاجتماعية يعكس إدراكا واضحا من الدولة، لحساسية المرحلة حيث لا يمكن تنفيذ إصلاحات مالية دون توفير شبكة أمان للفئات الأكثر تأثرا بارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة ومع ذلك فإن هذا الدعم يتجه بشكل متزايد نحو الاستهداف الدقيق وهو ما يعزز كفاءته لكنه قد يغير شكل العلاقة بين المواطن والدولة من حيث طبيعة الدعم وحدوده.
وفي خلفية هذه التحركات، تبرز مسألة الدين العام باعتبارها التحدي الأكبر الذي تسعى الموازنة للتعامل معه حيث يمثل خفض نسبته إلى مستويات أكثر أمانا هدفا محوريا ليس فقط لتحسين المؤشرات المالية بل أيضا لتعزيز ثقة المستثمرين وتقليل تكلفة الاقتراض، وهو ما قد يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية أكبر إذا ما تزامن مع استقرار في السياسات الإقتصادية.
ولا يمكن إغفال، أن كل هذه المستهدفات تعتمد بدرجة كبيرة على عوامل خارجية لا تملك الدولة السيطرة الكاملة عليها مثل تحركات أسعار الطاقة والغذاء والتقلبات في الأسواق العالمية، وهو ما يجعل اللجوء إلى أدوات التحوط خطوة ضرورية، لتقليل المخاطر المحتملة لكنها لا تلغي الحاجة إلى قدر من المرونة في إدارة السياسات الاقتصادية للتعامل مع أي تغيرات مفاجئة.
تحقيق توازن بين الانضباط المالي وتحفيز النمو
وتبدو موازنة 2026 – 2027، محاولة لإعادة ضبط المسار أكثر من كونها حلا سريعا للتحديات القائمة فهي تسعى إلى تحقيق توازن بين الانضباط المالي وتحفيز النمو وبين تقليل الاعتماد على الدين والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وهو توازن دقيق يتطلب استمرارية في التنفيذ وقدرة على التكيف مع المتغيرات، وإذا ما نجحت هذه المعادلة فإنها قد تمثل بداية مرحلة مختلفة للاقتصاد المصري تقوم على الاستدامة وليس فقط على تجاوز الأزمات أما إذا تعثرت فإن الضغوط قد تعود بشكل أكثر حدة وهو ما يجعل هذه الموازنة نقطة اختبار حقيقية لمسار الإصلاح الاقتصادي في السنوات المقبلة.
وتحاول الحكومة المصرية عبر موازنة العام الجديد، رسم مسار مختلف يقوم على تقليل الاعتماد على الحلول المؤقتة والانتقال تدريجيا إلى نموذج أكثر استقرارا في إدارة الموارد، حيث تعكس الأرقام المعلنة محاولة واضحة لتحقيق توازن صعب بين ضبط المالية العامة وتخفيف الأعباء الاجتماعية من خلال مخصصات قياسية للحماية الاجتماعية تجاوزت 800 مليار جنيه بالتوازي مع خطة طموحة لخفض العجز إلى أقل من 5 %.
ربط الدعم الحكومي بنتائج فعلية في الإنتاج والتصدير
الموازنة الجديدة لا تبدو مجرد تحديث سنوي للأرقام بقدر ما تعكس تغيرا في طريقة تفكير الدولة في إدارة الاقتصاد حيث يتم منح القطاع الخاص دورا أكبر في قيادة النمو، مقابل تراجع تدريجي للدولة عن بعض الأنشطة الاقتصادية المباشرة مع ربط الدعم الحكومي بنتائج فعلية في الإنتاج والتصدير، وهو ما يشير إلى تحول من سياسة الدعم الواسع إلى نموذج يعتمد على الكفاءة والقدرة على تحقيق قيمة مضافة وتراهن الحكومة على تحقيق فائض أولي كبير يقترب من تريليون و200 مليار جنيه، باعتباره أداة لتقليل الضغوط على الدين العام وتوفير مساحة مالية أكبر للتحرك في مواجهة أي صدمات محتملة مع استهداف خفض نسبة الدين إلى مستويات أكثر أمانا خلال الفترة المقبلة وهو ما يعكس توجها واضحا نحو بناء قدر من المرونة يسمح للاقتصاد بالتعامل مع التقلبات دون اللجوء المستمر إلى الاقتراض.
وفي رأيي، يمكن النظر إلى هذه الموازنة باعتبارها محاولة لإعادة ضبط مسار الاقتصاد وليس فقط إدارة تحدياته حيث تظل قدرتها على تحقيق أهدافها مرتبطة بما سيحدث على أرض الواقع سواء من حيث التزام الحكومة بتنفيذ سياساتها أو قدرة القطاع الخاص على الاستجابة للدور الجديد الذي ينتظره أو حتى تطورات الأوضاع العالمية التي قد تعيد تشكيل الأولويات في أي لحظة.
إعادة صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد وبالمجتمع
وفي هذا الاتجاه، تصبح الأرقام المعلنة مثل تحقيق فائض أولي بنسبة 5 % من الناتج المحلي، وخفض العجز الكلي إلى أقل من 5 % وخفض نسبة الدين إلى 78 % ليست مجرد مستهدفات تقنية بل أدوات لإعادة صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد وبالمجتمع في آن واحد.. هذا التحول لا يأتي في فراغ بل هو نتيجة تراكم سنوات من الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد المصري بدءا من تداعيات جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وصولا إلى تشديد السياسات النقدية العالمية، التي رفعت تكلفة الاقتراض وأدت إلى خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة ومن بينها مصر وهو ما فرض على صانع القرار الاقتصادي تبني نموذج أكثر صرامة في إدارة الموارد يعتمد على تعظيم الإيرادات وتقليص الفجوة التمويلية، بدلا من الاعتماد المستمر على الاقتراض الخارجي.
ويمكن فهم الزيادة الكبيرة في الإيرادات العامة والتي تستهدف الوصول إلى 4 تريليونات جنيه باعتبارها محاولة لإعادة بناء قاعدة مالية قوية للدولة تقوم بشكل أساسي على الإيرادات الضريبية وغير الضريبية وهو ما يعكس توجها واضحا نحو توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل وليس فقط رفع معدلات الضرائب وهو فرق جوهري لأن الدولة تدرك أن أي ضغط ضريبي مباشر إضافي قد ينعكس سلبا على النشاط الاقتصادي في ظل بيئة تضخمية لا تزال تلقي بظلالها على السوق ولذلك فإن التركيز ينصب على دمج الاقتصاد غير الرسمي وتطوير نظم التحصيل الإلكتروني وتحسين الامتثال الضريبي بما يسمح بزيادة الإيرادات دون إعاقة النمو.
التوسع المالي المنضبط
ورغم ارتفاع المصروفات العامة، إلى أكثر من 5 تريليونات جنيه، إلا أن معدل نموها أقل من معدل نمو الإيرادات وهو ما يعكس ما يمكن تسميته بسياسة التوسيع المالي المنضبط حيث لا تتجه الدولة إلى تقليص الإنفاق بشكل حاد كما يحدث في نماذج التقشف التقليدية ولا تفتح الباب أيضا لإنفاق غير محسوب بل تحاول تحقيق توازن دقيق يسمح بالحفاظ على مستويات مقبولة من الإنفاق الاجتماعي والاستثماري مع ضمان تحقيق فائض أولي كبير يستخدم في خفض الدين العام تدريجيا.
ويمثل الفائض الأولي، حجر الزاوية في الموازنة الجديدة، لأنه يعكس قدرة الدولة على تغطية نفقاتها الجارية من مواردها الذاتية دون الاعتماد على الاقتراض وهو ما يخلق مساحة مالية تستخدم في سداد أعباء الدين بدلا من تدويرها وهو تحول بالغ الأهمية لأنه يضع الاقتصاد على مسار مختلف حيث يصبح خفض الدين هدفا قابلا للتحقيق وليس مجرد شعار وهو ما ينعكس بدوره على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في قدرة الاقتصاد المصري على الاستدامة، لكن الأهم من الأرقام، هو التغيير في طبيعة الدور الذي تلعبه الدولة داخل الاقتصاد حيث تشير الموازنة وخطة التنمية المصاحبة لها إلى تحول واضح نحو تمكين القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسي للنمو من خلال تخصيص ما يقرب من 59 %، من إجمالي الاستثمارات له وهو ما يعني أن الدولة تتراجع تدريجيا عن دورها كمستثمر مباشر في العديد من القطاعات لصالح دور أكثر تنظيما وتوجيها وهو تحول يتماشى مع ما أعلنته الحكومة سابقا في وثيقة ملكية الدولة التي تستهدف تقليل وجود الدولة في بعض الأنشطة الاقتصادية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص
وأري أن هذا التحول، يحمل في طياته فرصا وتحديات في الوقت نفسه فمن ناحية يوفر مساحة أكبر للاستثمار الخاص ويعزز الكفاءة الاقتصادية ويجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، ومن ناحية أخرى يفرض تحديات تتعلق بقدرة القطاع الخاص على تحمل هذا الدور خاصة في ظل بيئة اقتصادية لا تزال تواجه بعض القيود مثل ارتفاع تكلفة التمويل وتقلبات سعر الصرف وهو ما يجعل نجاح هذا التوجه مرهونا بمدى قدرة الحكومة على تهيئة بيئة أعمال مستقرة ومحفزة تتسم بالشفافية وتكافؤ الفرص.
رفع كفاءة الإنفاق العام وضمان توجيه الموارد إلى الأنشطة الأكثر إنتاجية
ولم يعد الدعم يقدم بشكل مفتوح كما كان في السابق، بل أصبح مرتبطا بتحقيق نتائج ملموسة مثل زيادة الصادرات أو خلق فرص عمل وهو ما يعكس توجها نحو رفع كفاءة الإنفاق العام وضمان توجيه الموارد إلى الأنشطة الأكثر إنتاجية وهو ما قد يؤدي على المدى المتوسط إلى إعادة هيكلة السوق بحيث تخرج الكيانات الأقل كفاءة لصالح الشركات القادرة على المنافسة.
وعلى مستوى القطاعات الإقتصادية، يظهر بوضوح أن الصناعة والتصدير يحظيان بأولوية كبيرة باعتبارهما المصدر الأساسي لتوليد العملة الأجنبية وتقليل العجز في الميزان التجاري حيث تستهدف الدولة دعم الصناعات القادرة على التصدير وتوطين الصناعات الاستراتيجية بما يقلل الإعتماد على الواردات وهو ما يتكامل مع التوجه نحو دعم الإستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر الذي يمثل فرصة استراتيجية لمصر لتكون مركزا إقليميا للطاقة خاصة في ظل موقعها الجغرافي وقدراتها في مجال الطاقة الشمسية والرياح.
ويشهد قطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي اهتماما متزايدا باعتباره أحد محركات النمو المستقبلية حيث تسعى الدولة إلى تعزيز دور الإقتصاد الرقمي من خلال الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية ودعم الشركات الناشئة وتطوير التعليم بما يتماشى مع متطلبات سوق العمل وهو ما يعكس إدراكا متزايدا بأن النمو الاقتصادي في المستقبل لن يعتمد فقط على القطاعات التقليدية بل على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، أما قطاع العقارات والإنشاءات الذي كان يمثل خلال السنوات الماضية، أحد أبرز محركات النمو فإنه يشهد تحولا في طبيعة الدور الحكومي حيث تتجه الدولة إلى تقليل استثماراتها المباشرة فيه وفتح المجال بشكل أكبر أمام القطاع الخاص مع التركيز على جذب استثمارات أجنبية في هذا القطاع وهو ما قد يؤدي إلى إعادة توازن السوق بعد سنوات من التوسع الكبير في المشروعات القومية.
الحفاظ على شبكة حماية اجتماعية واسعة
وفيما يتعلق بالبعد الإجتماعي، فإن الموازنة تحاول الحفاظ على شبكة حماية اجتماعية واسعة من خلال زيادة مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية بما يتجاوز 800 مليار جنيه، وهو ما يعكس إدراكا لأهمية التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل الضغوط المعيشية التي تواجهها شرائح واسعة من المواطنين نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار ومع ذلك فإن هذا الدعم يتجه بشكل متزايد نحو الاستهداف الدقيق للفئات الأكثر احتياجا بدلا من الدعم الشامل وهو ما يعزز كفاءة استخدام الموارد.
ويظل التحدي الحقيقي في التنفيذ لأن تحقيق هذه المستهدفات يتطلب درجة عالية من الانضباط المالي والاستمرارية في السياسات وهو ما قد يتأثر بعوامل خارجية مثل تقلبات الأسواق العالمية أو التوترات الجيوسياسية أو تغيرات أسعار الطاقة والغذاء وهو ما يفسر إشارة الحكومة إلى استخدام آليات التحوط كأداة لإدارة المخاطر وتقليل تأثير الصدمات الخارجية.
ويمكن القول، إن موازنة 2026 – 2027، تمثل نقطة تحول في مسار الاقتصاد المصري، لأنها لا تكتفي بإدارة التحديات الحالية بل تحاول وضع أسس لمرحلة جديدة تقوم على الاستدامة المالية والنمو بقيادة القطاع الخاص ولكن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهونا بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي واحتياجات المجتمع وعلى خلق بيئة اقتصادية تسمح للقطاع الخاص بالقيام بدوره بكفاءة، وفي الوقت نفسه تحافظ على الاستقرار الاجتماعي وهو التحدي الأكبر الذي سيحدد ما إذا كانت هذه الموازنة تمثل بداية حقيقية لمرحلة جديدة أم مجرد خطوة ضمن مسار طويل من التكيف مع الأزمات.
رؤية واضحة لإعادة ضبط الاقتصاد المصري في ظروف معقدة
وأري أن نجاح الموازنة الجديدة، لم يكن وليد الأرقام والإستراتيجيات وحدها، بل انعكاس مباشر لكفاءة فريق وزارة المالية بقيادة الوزير أحمد كجوك، الذي تمكن من وضع رؤية واضحة لإعادة ضبط الاقتصاد المصري في ظروف معقدة على الصعيدين المحلي والإقليمي.. لقد نجح الفريق في تحقيق توازن دقيق بين زيادة الإيرادات وخفض العجز، مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، وهو إنجاز يتطلب تخطيطا دقيقًا وقدرة على التنبؤ بالتحديات المحتملة.
الوزير وفريقه أثبتوا قدرة عالية على دمج البيانات الاقتصادية مع التحليل الاستراتيجي، وهو ما سمح لهم بتحديد الأولويات بدقة، سواء على صعيد إدارة الدين العام أو توجيه الاستثمارات للقطاع الخاص وتحفيز النمو الإنتاجي والتصديري.. كما أن اهتمامهم بتطوير نظم التحصيل الضريبي وتعزيز الكفاءة المالية يعكس فهمًا عميقا لأهمية تحسين إدارة الموارد العامة دون زيادة العبء على المواطنين، وهو ما يمثل نموذجًا نادرًا للإدارة المالية الذكية.. وإن هذا النجاح لم يقتصر على التخطيط المالي فقط، بل شمل القدرة على التنفيذ والمتابعة الدقيقة، مع مراعاة التحديات الخارجية مثل تقلبات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة والغذاء، ما يؤكد أن القيادة في وزارة المالية اليوم تتمتع برؤية مستقبلية واضحة، وقوة في اتخاذ القرارات التي تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع.
الاجتماع الاستراتيجي وإطلاق التحول الكبير
وفي اجتماع، اعتبره “استراتيجيا”، وضع مجلس الوزراء، بقيادة الدكتور المهندس مصطفي مدبولي، اللمسات النهائية على موازنة العام المالي الجديد، وهي في رأيي موازنة تبدو وكأنها تحمل شفرة التحول الكبير في إدارة الاقتصاد الوطني.. فبدلًا من التركيز التقليدي على التوسع في الإنفاق الإنشائي، تأتي الموازنة لتعيد توجيه الأولويات نحو الاستثمار البشري والتحفيز الصناعي، وهو ما يعكس رؤية الدولة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة وكفاءة.
فلسفة مالية جديدة: النمو المشروط
وبمباركة رئاسية مباشرة، من الرئيس عبد الفتاح السيسي، اعتمدت الحكومة فلسفة مالية جديدة تقوم على ما يمكن تسميته “النمو المشروط” فقد رصدت الموازنة نحو 90 مليار جنيه، لدعم النشاط الاقتصادي، مع وضع شرط واضح لاستحقاق هذه الحوافز، تتمثل في تحقيق نتائج ملموسة، فالرسالة هنا واضحة تمامًا بأن زمن الدعم المفتوح قد ولى، وأصبح معيار الكفاءة الإنتاجية هو العامل المحدد لأي دعم حكومي، ما يعكس توجه الدولة نحو ربط الموارد بالنتائج الفعلية على الأرض.
وأظهرت الموازنة انحيازًا واضحًا نحو الحماية الاجتماعية، حيث ارتفعت المخصصات إلى نحو 832 مليار جنيه، بزيادة سنوية تقدر بـ 12 %، وهذا الرقم ليس مجرد رقم مالي، بل يمثل حائط صد يحمي الفئات الأكثر ضعفا من تقلبات الأسواق العالمية، ويتيح للدولة مواجهة أي صدمات محتملة من خلال آليات تحوط مرنة وصارمة، تضمن استقرار مستوى المعيشة دون التضحية بالاستدامة المالية.
الموازنة الجديدة، لم تكتف بالإنفاق وحماية المواطنين، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو تطهير الميزانية، عبر استهداف فائض أولي تاريخي بنسبة 5%، أي نحو 1.2 تريليون جنيه.. هذا الفائض يُستخدم كأداة مركزية لخفض الدين العام إلى نحو 78% من الناتج المحلي، وتقليص العجز الكلي ليصل إلى 4.9% بحلول يونيو 2027، وهو ما يضع مصر على أعتاب مرحلة جديدة من الاستقرار الائتماني والجاذبية الاستثمارية، ويعطي إشارات قوية للأسواق والمستثمرين بأن الدولة تمتلك أدوات التحكم المالي الكاملة.
ما يميز هذه الموازنة ويجعلها مختلفة عن السابق ليس الأرقام وحدها، بل الأسلوب التحليلي الدقيق في صياغتها عبر استخدام مصطلحات ذكية مثل “الاستحقاق المشروط” و”تطهير الميزانية” و”حائط الصد”، التي تضيف بعدًا تحليليًا للسياسات المالية وربط منطقي بين الأرقام والسياسات، بحيث يصبح الفائض الأولي أداة لخفض الدين، والدعم الاقتصادي مرتبطا بتحقيق نتائج فعلية مع التركيز على القيمة المضافة، مع جعل الصحة والتعليم والاستثمار في البشر أولوية حقيقية ضمن بنود الموازنة، وليس مجرد بند شكلي.
وأخيرا أقول: إن هذه الموازنة تعكس رؤية استراتيجية متكاملة، تجمع بين الانضباط المالي، تمكين القطاع الخاص، والحماية الاجتماعية، مع تحديد آليات واضحة لضمان تحقيق النتائج على أرض الواقع، ما يجعلها نقطة تحول حقيقية في إدارة الاقتصاد المصري للسنوات القادمة.








