أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن الحديث عن “التكلفة الحقيقية للحرب” لم يعد يقتصر على ما تنفقه الحكومات من أموال مباشرة، بل يمتد ليشمل ما هو أخطر بكثير، وهو ما لا يظهر في الحسابات الرسمية، مثل الإنتاج الضائع، وتعطل التجارة، وتآكل رأس المال، وهو ما يمثل في جوهره الخسارة الحقيقية للاقتصاد العالمي.
وأوضح، أن هذا المفهوم، الذي طرحه الاقتصادي الأمريكي جي إم كلارك منذ أكثر من قرن، يظل الإطار الأدق لفهم تداعيات الحرب الحالية على إيران.
وأشار عبد الهادي في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز” إلى أن الأرقام المعلنة حول تكلفة العمليات العسكرية، رغم ضخامتها، لا تعكس الصورة الكاملة، حيث أنفقت وزارة الدفاع الأمريكية نحو 11.3 مليار دولار خلال ستة أيام فقط منذ بدء الضربات في 28 فبراير 2026، قبل أن يرتفع الرقم إلى 12 مليار دولار خلال أسبوعين، بمتوسط إنفاق يومي يقترب من 900 مليون دولار، ورغم ضخامة هذه الأرقام، إلا أنها تمثل فقط الجزء الظاهر من التكلفة، إذ لا تشمل استهلاك الأصول العسكرية أو تكاليف الرعاية اللاحقة أو التأثيرات غير المباشرة على الاقتصاد العالمي.
اضطراب سلاسل الإمداد العالمية
وأوضح، أن التأثير الحقيقي يبدأ من اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب نسب كبيرة من المواد الخام الحيوية مثل اليوريا، والألمنيوم، والكبريت، والهيليوم.
وأكد أن أي اختناق في هذا الممر لا يؤدي فقط إلى أزمة في الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى قطاعات الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والنقل، ما يحول الأزمة إلى صدمة اقتصادية شاملة متعددة الأبعاد.
وأضاف، أن خطورة الوضع تتزايد مع استهداف البنية التحتية الحيوية، مثل مجمع رأس لفان، الذي يُعد أحد أكبر مراكز إنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث يمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية.
وأشار إلى أن تعطل مثل هذا المركز لا يعني فقط انخفاض الإمدادات الحالية، بل يهدد أيضًا استقرار السوق وثقة المستثمرين، ويؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات الطاقة عالميًا، خاصة في أوروبا التي شهدت بالفعل ارتفاعًا في أسعار الغاز.
ولفت إلى أن المشكلة لا تتوقف عند تعطل الإنتاج الحالي، بل تمتد إلى ما وصفه بـ”الثروة التي لن تُخلق”، حيث إن جزءًا كبيرًا من الاحتياطيات العالمية، خاصة في حقل الشمال المرتبط بحقل جنوب بارس الإيراني، أصبح أكثر صعوبة في الوصول إليه نتيجة تدمير البنية التحتية، وهو ما يعني خسارة مستقبلية في الإنتاج والاستثمار، وليس فقط خسارة آنية في الإيرادات.
اقتصاد المدخلات الصناعية
وأوضح، أن من أخطر تداعيات الحرب أيضًا انتقال التأثير من سوق النفط إلى ما يُعرف باقتصاد المدخلات الصناعية، حيث ارتفعت أسعار الغاز المسال بنسبة 60%، واليوريا بنسبة 70%، والكبريت بنسبة 40%، إلى جانب توقف إنتاج الهيليوم، وهو عنصر أساسي في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
وأكد أن هذه الزيادات تعني أن تكلفة الإنتاج سترتفع في قطاعات متعددة، بدءًا من الزراعة وصولًا إلى التكنولوجيا، وهو ما يؤدي إلى موجة تضخم مركبة تنتقل من الطاقة إلى الصناعة ثم إلى الغذاء وأخيرًا إلى المستهلك.
وأشار إلى أن خطورة الأزمة تتجلى أيضًا في تسارع وتيرة نقص الإمدادات، حيث تشير التقديرات إلى أن بعض الأسواق قد تواجه نقصًا حادًا في الوقود خلال أيام قليلة، إذ قد تفقد دول آسيوية إمدادات البنزين خلال 12 يومًا فقط، بينما تواجه أفريقيا نقصًا خلال 23 يومًا، وأوقيانوسيا خلال 36 يومًا.
وأوضح أن هذا التحول من حساب الأزمة بالأشهر إلى حسابها بالأيام يغير سلوك الأسواق بشكل جذري، حيث يدفع إلى التخزين والمضاربة ورفع الأسعار حتى قبل حدوث النقص الفعلي.
وأكد أن آسيا تمثل مركز التأثر الأكبر بهذه الأزمة، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، حيث تعتمد اليابان على المنطقة في نحو 95% من احتياجاتها النفطية، وكوريا الجنوبية بنسبة 70%.
وأشار إلى أن هذا الاعتماد يدفع هذه الدول إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل إطلاق حزم دعم ضخمة، كما حدث في كوريا الجنوبية التي أعلنت عن حزمة استقرار بقيمة 100 تريليون وون، وهو ما يعكس انتقال تكلفة الحرب إلى ميزانيات الدول المستوردة.
ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 30%
وأوضح عبد الهادي أنه في الولايات المتحدة ارتفع أسعار البنزين بنسبة 30% خلال شهر واحد يمثل نوعًا من “الضريبة غير المباشرة” التي يتحملها المواطن، خاصة الفئات منخفضة الدخل، في حين تستفيد الشركات الكبرى في قطاعات الطاقة والدفاع، وهو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة الاقتصادية وتعميق التفاوت الاجتماعي.
وأشار إلى أن الأزمة الحالية قد تكون أكثر تعقيدًا من صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، نظرًا لارتباط الاقتصاد العالمي اليوم بشبكات إنتاج وسلاسل إمداد معقدة وعابرة للحدود، ما يجعل تأثير الصدمة ممتدًا إلى مجالات متعددة، وليس فقط قطاع الطاقة.
وأضاف، أن استمرار هذه الأزمة قد يدفع البنوك المركزية إلى تغيير مسارها من خفض أسعار الفائدة إلى رفعها مرة أخرى، في ظل تصاعد معدلات التضخم، وهو ما يخلق بيئة اقتصادية صعبة تتسم بارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو، وهي السمات الأساسية لما يُعرف بالركود التضخمي.
وفي ختام تصريحاته، أكد الدكتور محمد عبد الهادي أن التقديرات تشير إلى أن استمرار الحرب لمدة ستة أشهر قد يرفع التكلفة الأمريكية إلى أكثر من 500 مليار دولار، بينما قد تصل الخسائر العالمية إلى تريليونات الدولارات، مشددًا على أن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء من الحقيقة، إذ إن التكلفة الأكبر ستظهر في فقدان فرص النمو والاستثمار، وفي الأعباء التي تتحملها الأسر حول العالم من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية.
واختتم بالتأكيد على أن الدرس الأهم من هذه الأزمة يتمثل في أن تكلفة الحرب لا تُقاس بما يُنفق خلال فترة الصراع فقط، بل بما يُفقد من فرص مستقبلية، حيث تتحول الخسائر غير المباشرة إلى عبء دائم على الاقتصاد العالمي، لتصبح الحرب في النهاية ليست مجرد صراع عسكري، بل أزمة اقتصادية ممتدة تمس حياة الأفراد والدول على حد سواء.


