ما يحدث اليوم في كواليس مونديال 2026 ليس مجرد تفصيلة قانونية عابرة ولا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً سياديا عاديا تمارسه دولة مستضيفة بل نحن أمام تحول عميق في طبيعة العلاقة بين كرة القدم العالمية ومنظومة الاقتصاد السياسي الدولي حيث تتقاطع السيادة الضريبية مع عدالة المنافسة الرياضية في مشهد يكشف بوضوح أن اللعبة التي طالما تم تسويقها باعتبارها الأكثر شعبية والأقرب إلى الفقراء قد أصبحت بشكل متزايد رهينة لمنطق القوة المالية والقانونية للدول الكبرى وأن ما نشهده ليس فقط صراعًا على أرض الملعب بل هو صراع على من يملك الحق في الاستفادة من عوائد اللعبة ومن يدفع فاتورة هذا الاستمتاع العالمي.

وبينما تترقب الجماهير صافرة البداية في ملاعب أمريكا الشمالية، تشتعل خلف الكواليس “مباراة مالية” غير متكافئة، طرفاها مصلحة الضرائب الأمريكية واتحادات كروية قادمة من دول نامية.
ومن وجهة نظري فإن الأزمة التي فجرتها مسألة الضرائب الأمريكية على عوائد المنتخبات المشاركة في كأس العالم ليست أزمة مالية بحتة بل هي اختبار حقيقي لمدى صدق الشعارات التي ترفعها المنظومة الكروية الدولية حول العدالة والتكافؤ وتكافؤ الفرص لأن الفكرة الأساسية التي قامت عليها بطولات مثل كأس العالم كانت دائما هي منح الجميع فرصة متساوية للحلم والتنافس بغض النظر عن حجم الاقتصاد أو قوة العملة أو النفوذ السياسي ولكن ما يحدث الآن ينسف هذا المبدأ من جذوره ويعيد تعريف البطولة باعتبارها ساحة مفتوحة لمن يستطيع تحمل تكاليفها وليس فقط لمن يستحق المشاركة فيها رياضيًا.
الولايات المتحدة حين تصر على تطبيق منظومتها الضريبية الكاملة على عوائد المنتخبات والاتحادات فإنها تمارس حقا سياديا لا يمكن إنكاره ولكن المشكلة لا تكمن في هذا الحق بقدر ما تكمن في غياب التوازن بين هذا الحق وبين طبيعة الحدث نفسه الذي يفترض أنه حدث عالمي فوق الحسابات المحلية الضيقة وهنا تظهر المفارقة الكبرى حيث تتحول استضافة بطولة عالمية إلى فرصة لتعظيم الإيرادات الوطنية على حساب أطراف أضعف في المنظومة الدولية وهو ما يخلق خللا هيكليا في توزيع العوائد ويؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل كرة القدم بشكل أكثر قسوة مما كان عليه الحال في السابق.
الأمر لا يتعلق فقط بنسبة الضرائب التي قد تقتطع من مكافآت المنتخبات بل يتعلق بالسلسلة الكاملة من التكاليف التي تتحملها هذه الاتحادات بداية من الإعداد والتأهل مرورًا بالسفر والإقامة وانتهاء بالمشاركة نفسها في بيئة اقتصادية تعد من الأعلى تكلفة في العالم وعندما نضع كل هذه العناصر في الحسبان ندرك أن بعض المنتخبات القادمة من دول نامية قد تجد نفسها أمام معادلة مختلة حيث تصبح تكلفة المشاركة أعلى من العائد المتوقع وهو ما يحول الحلم الرياضي إلى عبء اقتصادي ثقيل قد يمتد تأثيره لسنوات على ميزانيات هذه الاتحادات وربما على سياسات الإنفاق الرياضي في دولها
وأرى أن الأخطر في هذه المسألة ليس الخسارة المالية المباشرة بل الرسالة الضمنية التي يتم إرسالها إلى العالم وهي أن كرة القدم لم تعد مساحة عادلة للجميع وأن من لا يملك أدوات الحماية القانونية والاقتصادية سيظل دائمًا الطرف الخاسر حتى لو حقق إنجازا رياضيا على أرض الملعب وهذا يضرب في العمق فكرة أن الرياضة يمكن أن تكون وسيلة للترقي الاجتماعي والاقتصادي للدول الأقل حظا ويجعلها بدلًا من ذلك أداة لتعميق الفوارق وتعزيز الهيمنة الاقتصادية.
الفيفا في هذا السياق يتحمل مسؤولية كبيرة لا يمكن تجاهلها لأن دوره لا يجب أن يقتصر على تنظيم البطولات وتوزيع الجوائز بل يجب أن يمتد إلى حماية مصالح جميع أعضائه وخاصة الاتحادات الصغيرة التي لا تملك القدرة على التفاوض أو الضغط السياسي بنفس مستوى الاتحادات الكبرى ومن غير المقبول أن يتم الترويج لفكرة التضامن الكروي في الخطابات الرسمية بينما تترك هذه الاتحادات تواجه مصيرها وحدها في مواجهة منظومة ضريبية معقدة وقاسية قد تلتهم جزءًا كبيرًا من عوائدها
ما كان ينبغي أن يحدث هو أن يتم التوصل إلى إطار قانوني واضح يضمن إعفاءات ضريبية أو على الأقل تخفيضات عادلة لجميع المشاركين بما يحقق نوعًا من التوازن بين حق الدولة المستضيفة في تحصيل الضرائب وحق الاتحادات في الاستفادة من عوائد مشاركتها لأن البطولة في النهاية ليست حدثا محليا بل هي مشروع عالمي تشارك فيه كل الدول بشكل أو بآخر ومن غير المنطقي أن تتحمل بعض الأطراف العبء الأكبر فقط لأنها لا تملك اتفاقيات ضريبية ثنائية أو نفوذًا سياسيًا كافيًا
وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فإننا قد نكون أمام تحول تدريجي في طبيعة المشاركة في البطولات الكبرى حيث تبدأ بعض الاتحادات في إعادة تقييم جدوى المشاركة من الناحية الاقتصادية وهو سيناريو قد يبدو بعيدًا في الوقت الحالي لكنه ليس مستحيلا خاصة في ظل الضغوط المالية التي تواجهها العديد من الدول النامية وفي هذه الحالة فإن كرة القدم ستفقد جزءًا كبيرًا من تنوعها وجاذبيتها لأن أحد أهم عناصر سحرها هو قدرة الفرق الصغيرة على الظهور والمنافسة وخلق المفاجآت
كما أن هذا الوضع قد يدفع بعض الحكومات إلى التدخل بشكل أكبر لتمويل مشاركات منتخباتها وهو ما يعني تحميل دافعي الضرائب في هذه الدول عبئا إضافيا من أجل المشاركة في حدث يفترض أنه يعود بالنفع على الجميع وليس على طرف واحد فقط وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول عدالة توزيع الموارد في الرياضة العالمية وحول الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات الدولية في ضمان هذه العدالة
ومن الناحية الاستراتيجية يمكن النظر إلى ما يحدث باعتباره جزءا من صراع أوسع على العوائد المرتبطة بالأحداث العالمية الكبرى حيث تسعى الدول إلى تعظيم مكاسبها الاقتصادية بأقصى درجة ممكنة حتى لو جاء ذلك على حساب أطراف أخرى أضعف وهذا يعكس تحولات أعمق في النظام الدولي حيث لم تعد هناك مساحات محايدة بالكامل حتى في المجالات التي كانت تعتبر تقليديًا بعيدة عن السياسة مثل الرياضة
وفي النهاية أرى أن مونديال 2026 يقف عند مفترق طرق حقيقي فإما أن يكون نموذجا جديدا يعيد تعريف العلاقة بين الرياضة والاقتصاد بطريقة أكثر توازنا وعدلا أو أن يتحول إلى سابقة تكرس لفكرة أن البطولات الكبرى أصبحت حكرا فعليا على من يملك القدرة على تحمل تكاليفها بكل ما تحمله الكلمة من معنى وإذا لم يتم تدارك هذا الخلل فإننا قد نشهد في المستقبل القريب عالما كرويا أكثر انقساما وأقل عدالة وهو ما يتعارض مع جوهر اللعبة وروحها التي جعلت منها الرياضة الأكثر شعبية في العالم
وخلاصة رؤيتي أن المعركة الحقيقية في مونديال 2026 لن تكون فقط بين المنتخبات داخل المستطيل الأخضر بل ستكون أيضا بين مفهومين متناقضين مفهوم يرى في كرة القدم سلعة اقتصادية يجب تعظيم أرباحها بأي وسيلة ومفهوم آخر يؤمن بأنها إرث إنساني مشترك يجب حمايته من منطق السوق الجامح وإذا لم ينتصر المفهوم الثاني فإننا سنكون أمام نسخة جديدة من اللعبة لا تشبه تلك التي عرفها العالم لعقود طويلة بل نسخة أكثر قسوة وأقل عدلًا حيث يصبح الحلم الكروي امتيازا وليس حقا متاحا للجميع.
مساحات محايدة بالكامل حتى في المجالات التي كانت تعتبر تقليديًا بعيدة عن السياسة مثل الرياضة
وفي النهاية أرى أن مونديال 2026 يقف عند مفترق طرق حقيقي فإما أن يكون نموذجا جديدا يعيد تعريف العلاقة بين الرياضة والاقتصاد بطريقة أكثر توازنا وعدلا أو أن يتحول إلى سابقة تكرس لفكرة أن البطولات الكبرى أصبحت حكرا فعليا على من يملك القدرة على تحمل تكاليفها بكل ما تحمله الكلمة من معنى وإذا لم يتم تدارك هذا الخلل فإننا قد نشهد في المستقبل القريب عالما كرويا أكثر انقساما وأقل عدالة وهو ما يتعارض مع جوهر اللعبة وروحها التي جعلت منها الرياضة الأكثر شعبية في العالم
وخلاصة رؤيتي أن المعركة الحقيقية في مونديال 2026 لن تكون فقط بين المنتخبات داخل المستطيل الأخضر بل ستكون أيضا بين مفهومين متناقضين مفهوم يرى في كرة القدم سلعة اقتصادية يجب تعظيم أرباحها بأي وسيلة ومفهوم آخر يؤمن بأنها إرث إنساني مشترك يجب حمايته من منطق السوق الجامح وإذا لم ينتصر المفهوم الثاني فإننا سنكون أمام نسخة جديدة من اللعبة لا تشبه تلك التي عرفها العالم لعقود طويلة بل نسخة أكثر قسوة وأقل عدلًا حيث يصبح الحلم الكروي امتيازا وليس حقا متاحا للجميع.


