انتهت جولة اخرى من الحرب بين إسرائيل وايران ولكن في تقديري لم تعد المشكلة التي تواجهها إسرائيل مرتبطة بقدرتها العسكرية أو بكفاءة منظوماتها الدفاعية بقدر ما أصبحت مرتبطة بطبيعة الحرب التي وجدت نفسها منخرطة فيها دون أن تعيد تعريف أدواتها أو أهدافها بما يتناسب مع هذا التحول إذ أن ما تكشفه التقديرات المتداولة في الإعلام العبري يشير بوضوح إلى أن الدولة العبرية دخلت مرحلة استنزاف مالي وأمني غير مسبوق حيث لم تعد المواجهة تقاس بعدد الأهداف التي يتم تدميرها أو بعدد الصواريخ التي يتم اعتراضها بل بحجم الكلفة التراكمية التي تتحملها الخزانة العامة وبقدرة الاقتصاد على امتصاص هذه الصدمات المتكررة دون الدخول في حالة إنهاك طويلة الأمد.
الأرقام في هذا السياق لم تعد مجرد تفاصيل ثانوية بل أصبحت مؤشرا مركزيا على طبيعة الأزمة إذ تشير التقديرات الأولية الصادرة عن دوائر قريبة من وزارة المالية الإسرائيلية إلى أن كلفة العمليات المرتبطة بالمواجهة مع إيران منذ جولات عام 2025 تجاوزت نطاق 16 إلى 19 مليار دولار في مرحلتها الأولى قبل أن ترتفع التقديرات الأكثر شمولية لتصل إلى ما يقارب 45 مليار دولار أي ما يعادل نحو 160 مليار شيكل وهو رقم يعكس ليس فقط النفقات العسكرية المباشرة بل أيضا الأعباء غير المباشرة المرتبطة بتعويض الأضرار وتعطل الأنشطة الاقتصادية وتراجع الإنتاجية في قطاعات حيوية. هذا الارتفاع الحاد في الإنفاق الدفاعي دفع نسبة الإنفاق العسكري إلى مستويات تقترب من 8 إلى 9 % من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن كانت تدور في حدود أقل بكثير في السنوات السابقة وهو تحول يعكس انتقال إسرائيل من اقتصاد مستقر نسبيا إلى اقتصاد يعمل تحت ضغط أمني دائم.
وعندما ننتقل إلى التفاصيل الدقيقة نجد أن العبء الأكبر لا يأتي فقط من العمليات الهجومية بل من منظومة الدفاع الجوي التي أصبحت تلتهم جزءا متزايدا من الميزانية حيث تشير تقديرات منسوبة إلى شخصيات مالية وأمنية إلى أن تكلفة ليلة واحدة من الاعتراض المكثف للصواريخ والمسيرات قد تصل إلى 1.5 مليار دولار في حالات الذروة وهو رقم يعكس الفجوة الهائلة بين تكلفة الوسائل الهجومية التي يستخدمها الخصم والتي قد لا تتجاوز في كثير من الأحيان عشرات الآلاف من الدولارات للصاروخ أو المسيّرة الواحدة وبين تكلفة اعتراضها التي تعتمد على منظومات عالية التعقيد مثل القبة الحديدية وأنظمة الدفاع متعددة الطبقات وهو ما يخلق معادلة غير متكافئة تجعل إسرائيل تدفع أضعاف ما يدفعه خصمها فقط للحفاظ على مستوى مقبول من الحماية.
هذه المعادلة تنعكس بشكل مباشر على المؤشرات الاقتصادية الكلية حيث تظهر البيانات الأخيرة تباطؤا واضحا في معدلات النمو الاقتصادي للسنة الثالثة على التوالي مع تراجع النمو إلى مستويات تدور حول 2 % أو أقل في بعض التقديرات مقارنة بمعدلات أعلى بكثير في سنوات سابقة كما ارتفع عجز الميزانية إلى ما يتجاوز 6 % من الناتج المحلي الإجمالي في ظل زيادة الإنفاق العسكري وتراجع الإيرادات في بعض القطاعات وهو ما دفع الحكومة إلى زيادة الاقتراض الداخلي والخارجي ورفع سقف الدين العام إلى مستويات تقترب من 70 % من الناتج المحلي وهو مستوى لم يكن مألوفا في الاقتصاد الإسرائيلي خلال العقد الماضي الذي تميز بدرجة أعلى من الانضباط المالي.
ولا تقف الخسائر عند هذا الحد بل تمتد إلى الأضرار المدنية التي لا يتم احتسابها دائما ضمن الميزانية العسكرية المباشرة حيث تشير التسريبات إلى أن صندوق التعويضات الإسرائيلي يواجه ضغوطا متزايدة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والممتلكات الخاصة في مدن مثل رامات غان وغيرها من المناطق التي تعرضت لضربات مباشرة وهو ما يضيف مليارات إضافية إلى الفاتورة الإجمالية ويزيد من الضغط على المالية العامة في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى توجيه موارد إضافية لدعم الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي
في المقابل لا تظهر المؤشرات الأمنية أن هذه الكلفة العالية قد ترجمت إلى نتائج استراتيجية حاسمة إذ لا تزال التقديرات تشير إلى أن إيران تحتفظ بوضعية دولة العتبة النووية مع قدرة مستمرة على تطوير بنيتها التحتية النووية في منشآت محصنة تحت الأرض يصعب استهدافها بالوسائل التقليدية وهو ما يعني أن الهدف الأساسي المعلن بتحييد التهديد النووي لم يتحقق بشكل كامل رغم حجم العمليات والنفقات المرتبطة بها وهذا بدوره يطرح تساؤلات داخلية حول جدوى الاستمرار في نفس النهج دون تعديل جذري في الاستراتيجية.
وفي رايي تواجه إسرائيل تحديا متزايدا يتمثل في تعدد الجبهات التي تضطر إلى التعامل معها في وقت واحد وهو ما يضاعف من كلفة العمليات ويحد من القدرة على التركيز وتحقيق حسم في جبهة بعينها حيث لم يعد التهديد محصورا في مسرح واحد بل يمتد عبر نطاق جغرافي واسع يفرض على المؤسسة العسكرية توزيع مواردها بشكل يقلل من فعاليتها النسبية ويزيد من احتمالات الاستنزاف الطويل وهو ما ينعكس مرة أخرى على الأرقام التي تظهر تزايدا مستمرا في تكلفة الانتشار العسكري والجاهزية العملياتية.
أما على المستوى السياسي فإن هذه الضغوط الاقتصادية والأمنية بدأت تترجم إلى حالة من التوتر داخل المشهد الداخلي حيث تواجه حكومة بنيامين نتنياهو انتقادات متزايدة من قوى المعارضة وعلى رأسها يائير لابيد التي تتهمها بتحويل إسرائيل إلى دولة تعيش في حالة استنزاف دائم دون تحقيق إنجاز استراتيجي واضح وتشير هذه الانتقادات إلى تراجع ثقة بعض الأوساط الاقتصادية في قدرة الحكومة على إدارة الأزمة بشكل يوازن بين متطلبات الأمن واحتياجات الاقتصاد وهو ما قد يكون له انعكاسات طويلة الأمد على مناخ الاستثمار والاستقرار المالي
وفي هذا السياق تصبح المخاوف من أي مسار تفاوضي محتمل بين الولايات المتحدة وإيران عاملا إضافيا في تعقيد المشهد حيث ترى دوائر إسرائيلية أن أي اتفاق قد يؤدي إلى تخفيف العقوبات عن طهران ومنحها متنفسا اقتصاديا قد يترجم إلى زيادة في قدراتها الإقليمية وهو ما يعني أن إسرائيل قد تجد نفسها في مواجهة خصم أكثر قوة في المستقبل في الوقت الذي تكون فيه قد استنزفت جزءا كبيرا من مواردها في جولات سابقة لم تحقق فيها الحسم المطلوب وهذا السيناريو يضع صانع القرار الإسرائيلي أمام معضلة حقيقية بين الاستمرار في سياسة الاستنزاف الحالية بكل ما تحمله من كلفة متصاعدة أو القبول بواقع دبلوماسي قد يفرض قيودا على حرية الحركة ويجبره على التعايش مع مستوى معين من التهديد.
وفي نظري يمكن القول إن إسرائيل لم تصل بعد إلى نقطة الانهيار لكنها بالتأكيد لم تحقق نصرا حاسما بالمعنى التقليدي بل دخلت في منطقة رمادية تتسم بارتفاع الكلفة وانخفاض القدرة على الحسم وهو وضع قد يستمر لفترة طويلة إذا لم يتم إعادة تقييم الاستراتيجية الحالية بشكل يأخذ في الاعتبار ليس فقط التفوق العسكري بل أيضا حدود القدرة الاقتصادية على تحمل أعباء صراع مفتوح ومعقد بهذا الحجم حيث يصبح التحدي الحقيقي ليس في كسب معركة هنا أو هناك بل في الحفاظ على توازن داخلي يسمح للدولة بالاستمرار دون أن تتحول الحرب إلى عبء دائم يقيد خياراتها ويعيد تشكيل أولوياتها على حساب استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.








