حين أتأمل المسار الذي سلكه الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة أجد أننا لم نكن أمام مجرد قرارات مالية تقليدية أو استجابة ظرفية لأزمة سيولة عابرة بل أمام تحول استراتيجي عميق أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق وبين العملة الوطنية وقيمتها الحقيقية وبين الاستقرار النقدي والنمو الاقتصادي القابل للاستمرار وهو تحول لم يكن سهلا ولا خاليا من التحديات لكنه في تقديري كان ضروريا لوضع الاقتصاد المصري على مسار أكثر واقعية وأكثر قدرة على التكيف مع عالم تتزايد فيه الاضطرابات وتتقلص فيه هوامش المناورة أمام الاقتصادات الناشئة التي لم تحسم خياراتها بعد.
لقد جاء قرار تحرير سعر الصرف في مارس 2024 ليضع حدا لحالة من التشوه الهيكلي التي استمرت لسنوات حيث كان تعدد أسعار الصرف ووجود سوق موازية يستنزفان الموارد الدولارية ويقوضان ثقة المستثمرين ويخلقان اقتصادا موازيا لا يخضع لقواعد الدولة ولا يسهم في دعمها بشكل حقيقي ومع هذا القرار بدأت مرحلة جديدة تقوم على الاعتراف بالقيمة الحقيقية للعملة وترك قوى العرض والطلب تعيد تشكيل التوازنات وهو ما أدى في البداية إلى ضغوط تضخمية وارتفاع في الأسعار لكنه في المقابل فتح الباب أمام استعادة التدفقات النقدية عبر القنوات الرسمية وإعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي.
أبوبكر
ومن زاوية أعمق أرى أن ما تحقق لا يقتصر على استقرار نقدي أو تحسن في المؤشرات الكلية بل يمثل تحولا في فلسفة إدارة الاقتصاد حيث لم يعد التركيز منصبا على تحقيق استقرار شكلي قصير الأجل بل على بناء اقتصاد قادر على إنتاج القيمة وتوليد العملة الأجنبية بشكل مستدام من خلال دعم القطاعات الإنتاجية وتعزيز دور القطاع الخاص وخلق بيئة أعمال أكثر شفافية وتنافسية وهو ما بدأ ينعكس في زيادة عدد المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتسهيل حصولها على التمويل وتبسيط الإجراءات المرتبطة بها باعتبارها المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل وزيادة الناتج المحلي.
وفي هذا الإطار يمكنني القول إن الاقتصاد المصري انتقل بالفعل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة صناعة الفرص حيث أصبح يمتلك أدوات أكثر تنوعا ومرونة للتعامل مع التحديات سواء من خلال احتياطيات قوية أو تدفقات نقدية مستقرة أو سياسات نقدية ومالية منسقة بشكل أفضل وهو ما يمنحه قدرة أكبر على مواجهة التقلبات العالمية التي أصبحت تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الاقتصادات على الصمود والاستمرار.
واقول انه إذا وسعنا زاوية التحليل بشكل أعمق سنجد أن ما تحقق في الاقتصاد المصري لا يمكن قراءته فقط في إطار الإصلاح الداخلي بل يجب فهمه ضمن إعادة تشكيل خريطة التدفقات المالية العالمية حيث تتجه رؤوس الأموال في المرحلة الحالية إلى الأسواق التي تمتلك مزيجا من الاستقرار النقدي والفرص الاستثمارية المرتفعة وهو ما بدأت مصر في تحقيقه تدريجيا بعد أن أصبحت واحدة من الأسواق القليلة في المنطقة التي تقدم عائدا حقيقيا إيجابيا في ظل استقرار نسبي لسعر الصرف مقارنة بالعديد من الاقتصادات الناشئة التي لا تزال تعاني من تقلبات حادة..
كما أن موقع مصر الجغرافي وقدرتها على التحول إلى مركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية يضيف بعدا استراتيجيا لهذا الاستقرار حيث لم تعد التدفقات الاستثمارية مرتبطة فقط بفرص قصيرة الأجل بل أصبحت جزءا من رؤية أوسع لإعادة توزيع سلاسل الإمداد العالمية وهو ما يفسر التوسع في الاستثمارات المرتبطة بالموانئ والمناطق الصناعية والطاقة الجديدة والمتجددة التي تجاوزت استثماراتها المعلنة عشرات المليارات من الدولارات خلال فترة زمنية قصيرة وهو ما يعزز من قدرة الاقتصاد على توليد تدفقات نقدية مستقرة بعيدا عن التقلبات التقليدية في مصادر العملة الأجنبية.
وفي تقديري فإن أخطر ما تم تجاوزه خلال هذه المرحلة لم يكن فقط أزمة العملة أو التضخم بل كسر نمط الاعتماد على الحلول المؤقتة التي كانت تؤجل المشكلات بدلا من حلها حيث أصبح الاقتصاد المصري يتحرك الآن وفق منطق مختلف يقوم على امتصاص الصدمات وإعادة التوازن بشكل تلقائي من خلال أدوات السوق وهو ما يقلل من تكلفة الأزمات المستقبلية ويجعل أي اضطراب محتمل أقل حدة وأقصر زمنا مقارنة بما كان يحدث في السابق
ولا يعني ذلك بالطبع أن الطريق أصبح خاليا من التحديات فهناك ضغوط لا تزال قائمة سواء على مستوى تكلفة التمويل أو مستويات المعيشة أو الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية لكن الفارق الجوهري في تقديري هو أن هذه التحديات باتت تدار من موقع قوة وليس من موقع ضعف وأن الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات دون الدخول في دوامات عدم الاستقرار التي شهدناها في فترات سابقة.
وفي النهاية أرى أن التجربة المصرية في الانتقال من التعويم إلى الاستقرار تمثل نموذجا واضحا على أن القرارات الصعبة عندما تتخذ في التوقيت المناسب وضمن رؤية متكاملة يمكن أن تتحول من عبء إلى فرصة ومن أزمة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارا ونموا وأن ما نشهده اليوم ليس نهاية المطاف بل بداية لمسار طويل من البناء الاقتصادي القائم على أسس أكثر صلابة وقدرة على الاستمرار وهو ما يفتح آفاقا واسعة أمام الاقتصاد المصري ليصبح أحد أهم مراكز النمو في المنطقة خلال السنوات القادمة إذا ما استمرت وتيرة الإصلاح بنفس الزخم والإرادة التي شهدناها حتى الآن.


