في مشهد يعكس حالة الارتباك التي يشهدها سوق السيارات في مصر، تبدو الحركة داخل سوق السيارات المتكامل على طريق العين السخنة نشطة ظاهريًا، لكنها في الواقع تخفي وراءها حالة من الركود الواضح، حيث يتوافد مئات بل آلاف المواطنين يوميًا، بعضهم يبحث عن سيارة اقتصادية تلبي احتياجاته الأساسية، وآخرون يعرضون سياراتهم للبيع، سواء بسبب ضغوط مالية أو رغبة في التغيير، إلا أن القاسم المشترك بينهم جميعًا أصبح الاكتفاء بـ”المشاهدة فقط” في ظل القفزات الكبيرة في الأسعار.
ومع التجول داخل السوق، تتنوع المعروضات بشكل لافت، ما بين سيارات قديمة وأخرى “كسر زيرو”، بأسعار تبدأ من نحو 75 ألف جنيه، وقد تصل إلى عدة ملايين من الجنيهات، ليضم السوق مختلف الفئات، بداية من الطرازات الشعبية مثل فيات 128 وهيونداي فيرنا وشيفروليه لانوس، وصولًا إلى السيارات الفاخرة مثل مرسيدس وبي إم دبليو.
ويعاني سوق السيارات حاليًا من حالة عدم استقرار ملحوظة، نتيجة إعادة التسعير المستمرة التي تشهدها السيارات في مصر، بالتزامن مع التغيرات الاقتصادية العالمية وتقلبات سعر صرف الدولار، وهو ما دفع شريحة كبيرة من المواطنين إلى الاتجاه نحو سوق المستعمل باعتباره خيارًا أقل تكلفة مقارنة بالسيارات الجديدة.
إلا أن هذا التوجه لم ينجُ من موجة الارتفاعات، حيث طالت الزيادات سوق السيارات المستعملة أيضًا، بنسب متفاوتة وصلت إلى نحو 20%، ما أثر بشكل مباشر على حركة البيع والشراء. فالبائع يجد نفسه مضطرًا لرفع السعر حتى يتمكن من شراء سيارة بديلة، في حين يعيد المشتري حساباته بعد أن أصبح سعر المستعمل قريبًا من الجديد في بعض الفئات.
وبين هذا وذاك، يقع المشتري في دائرة من الحيرة، بين شراء سيارة جديدة من الفئة الاقتصادية أو التوجه إلى سيارة مستعملة من فئة أعلى ولكن بسعر مرتفع ونسبة إهلاك، ما يدفعه إلى إعادة تقييم قراره أكثر من مرة، بعدما كان شبه محسوم في البداية.
ويتميز السوق بتوافر بنية خدمية متكاملة، تشمل وحدات الحماية المدنية، ومكاتب الشهر العقاري، وإدارات المرور، وخدمات الإسعاف، إلى جانب ورش الصيانة، وهو ما يساهم في تسهيل إجراءات البيع ونقل الملكية، ويعزز من مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

ورصدت «مصر24 نيوز» أن السوق لا يزال الوجهة الأكثر جذبًا للراغبين في شراء السيارات، إلا أن ارتفاع الأسعار خلق حالة من الزحام غير المثمر، حيث تراجعت معدلات إتمام عمليات البيع بشكل واضح.
وفي هذا السياق، قال عبدالرحمن درويش، أحد تجار السيارات، إن السوق شهد تراجعًا كبيرًا في حركة البيع خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن السنوات الماضية كانت تشهد نشاطًا ملحوظًا، لكن الارتفاعات الأخيرة في الأسعار أدت إلى عزوف الكثير من المشترين، الذين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم المغادرة دون إتمام الشراء.

ومن جانبه، أشار أحمد يوسف، مالك إحدى السيارات المعروضة، إلى كثرة استفسارات الزبائن دون جدية في الشراء، ما دفعه إلى كتابة تفاصيل السيارة من موديل وسعر وعدد الكيلومترات على ورقة، لتقليل تكرار الأسئلة، مؤكدًا أن معظم الزائرين يكتفون بالاستفسار فقط.
وفي تجربة أخرى، قطع علاء حمدي مسافة طويلة من محافظة أسيوط لعرض سيارته للبيع داخل السوق، مؤكدًا أن السوق يمثل فرصة جيدة للبائعين والمشترين على حد سواء، بفضل التنظيم وتوافر الخدمات، رغم التحديات الحالية في حركة البيع.
وعلى الجانب الآخر، تمكن يوسف صلاح من إتمام عملية شراء سيارة مستعملة موديل 2015، بسعر يراه مناسبًا نسبيًا في ظل الأوضاع الحالية، مشيرًا إلى أن الأسعار مرتفعة بالفعل، لكنه فضّل الشراء لتفادي زيادات محتملة مستقبلًا.
ويرى أحمد عبدالسلام، أحد تجار السوق، أن حالة الركود واضحة رغم كثرة المعروض، موضحًا أن تنوع السيارات قد يتسبب في تشتت المشتري، الذي قد يجد سيارة مناسبة لكنه يؤجل القرار، ليعود ويجدها قد بيعت بالفعل أو غادر صاحبها.
وأضاف أن الإقبال على سوق المستعمل زاد مؤخرًا بسبب الارتفاع الكبير في أسعار السيارات الجديدة، التي تجاوزت في بعض الطرازات الاقتصادية حاجز نصف مليون جنيه، ما دفع المواطنين للبحث عن بدائل أقل تكلفة، رغم استمرار ارتفاع أسعار المستعمل نسبيًا.

من جانبه، أوضح محمود حسن، أحد المشترين، أنه اضطر للاتجاه إلى سوق المستعمل بعد أن أصبحت أسعار السيارات الجديدة خارج نطاق قدرته، مؤكدًا أن ميزانيته لم تعد تسمح بشراء سيارة “زيرو”.
وفيما يتعلق بالأسعار، رصدت «مصر24 نيوز» عددًا من النماذج داخل السوق، حيث بلغ سعر شيفروليه لانوس موديل 2015 نحو 295 ألف جنيه، بينما وصل سعر موديل 2016 من نفس السيارة إلى 340 ألف جنيه. كما تراوح سعر هيونداي إلنترا موديل 2016 بين 690 و740 ألف جنيه، فيما سجلت هيونداي فيرنا موديل 2015 أسعارًا بين 300 و350 ألف جنيه.
وسجلت نيسان صني موديل 2024 “كسر زيرو” نحو 720 ألف جنيه، بينما تراوح سعر هيونداي توسان موديل 2023 بين مليون و200 ألف إلى مليون و700 ألف جنيه. كما بلغ سعر ميتسوبيشي لانسر موديل 2008 ما بين 390 و440 ألف جنيه، في حين وصلت BMW X3 موديل 2015 إلى نحو مليون و500 ألف جنيه.

أما أوبل أسترا موديل 2015 فسجلت نحو 550 ألف جنيه، وكيا سيراتو موديل 2016 نحو 800 ألف جنيه، فيما بلغ سعر تويوتا كورولا موديل 2013 نحو 650 ألف جنيه.
وفي ظل هذه الأرقام، يبقى سوق السيارات المستعملة في مصر شاهدًا على مفارقة لافتة: إقبال كبير وزحام مستمر، يقابله تراجع واضح في إتمام الصفقات، ليظل السؤال قائمًا: متى تعود القدرة الشرائية إلى التوازن مع الأسعار؟


