أكد الدكتور عمر غرايبة، الخبير الاقتصادي، أن احتمال توقف الإمدادات النفطية عن الصين في حال إغلاق مضيق هرمز يحتاج إلى قدر كبير من الواقعية والتحليل المتوازن، بعيدا عن الطرح المبسط الذي يفترض حدوث توقف كامل وفوري للإمدادات.
وأوضح أن مضيق هرمز، رغم أهميته الاستراتيجية الكبيرة كأحد أهم الممرات المائية لتجارة النفط عالميًا، فإن تعطله لا يعني بالضرورة شللًا كاملًا في تدفقات الطاقة إلى الصين، مشيرًا إلى أن بكين عملت على مدار سنوات على بناء منظومة معقدة لإدارة مخاطر الطاقة، تعتمد على مزيج من الالتزام الظاهري بالعقوبات الدولية، بالتوازي مع استخدام قنوات بديلة وغير مباشرة لتأمين احتياجاتها النفطية.
وأشار الدكتور عمر غرايبة إلى أن الشركات الصينية الكبرى، خاصة المدرجة في الأسواق العالمية، تلتزم بالقواعد الغربية لتجنب التعرض للعقوبات، في حين تعتمد الدولة على شركات ومصافي مستقلة لا ترتبط بشكل مباشر بالنظام المالي الدولي، لتأمين واردات النفط من دول خاضعة للعقوبات مثل إيران وروسيا وفنزويلا.
وأضاف أن من بين أبرز الآليات التي تستخدمها الصين في هذا الإطار، عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، ثم إعادة تصنيفه تحت مسميات مختلفة، مثل النفط الماليزي، وهو ما يسمح بدخوله إلى الأسواق دون إثارة شبهات قانونية مباشرة، الأمر الذي يفسر استمرار تدفق الإمدادات رغم القيود المفروضة.
ولفت إلى أن البيانات الرسمية قد لا تعكس الحجم الحقيقي للواردات الصينية من بعض الدول، وهو ما يعكس قدرة بكين على المناورة بمرونة بين التزاماتها الدولية واحتياجاتها الاستراتيجية من الطاقة.
وفيما يتعلق بالمخزون الاستراتيجي، أوضح الدكتور عمر غرايبة أن الصين تمتلك احتياطيًا ضخمًا يُقدَّر بنحو 1.4 مليار برميل، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على امتصاص أي صدمات محتملة على المدى القصير، مؤكدًا أنها لن تواجه أزمة فورية حتى في حال إغلاق المضيق، خاصة مع إمكانية تعويض جزء من الواردات، ومنها النفط الإيراني الذي يصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، سواء عبر المخزون أو من خلال تنويع مصادر الاستيراد.
وأشار إلى أن التأثير الحقيقي لإغلاق مضيق هرمز لن يظهر إلا في حال استمراره لفترة طويلة تتجاوز عدة أشهر، حيث قد تبدأ التداعيات في الظهور تدريجيًا، ليس فقط على الاقتصاد الصيني، بل على الاقتصاد العالمي ككل، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.
وأضاف أن هذا السيناريو لا يقتصر على تداعيات سلبية فقط، بل قد يخلق فرصًا لبعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تمتلك القدرة على زيادة إنتاجها من النفط والغاز، ما يعزز مكانتها في أسواق الطاقة العالمية ويرفع من إيراداتها، رغم احتمالات زيادة الضغوط التضخمية داخليًا.
كما أشار إلى أن استمرار الأزمة قد يسهم في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، من خلال تعزيز دور الغاز الطبيعي المسال، وتوسيع النفوذ الأمريكي في الأسواق، فضلًا عن تعميق الترابط بين قطاع الطاقة وقطاعات استراتيجية أخرى مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
واختتم الدكتور عمر غرايبة تصريحاته بالتأكيد على أن أزمة مضيق هرمز تعكس تعقيد النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتداخل عوامل الطاقة مع الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا، مشيرًا إلى أن الصين أثبتت قدرتها على التكيف مع الأزمات عبر أدوات مرنة، تجعل من الصعب عزلها أو التأثير عليها بشكل مباشر على المدى القصير، لكنها تظل عرضة لضغوط أكبر إذا طال أمد التوترات الجيوسياسية.








