قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي: “مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، أصبح السؤال المحوري: هل نحن على أعتاب موجة تضخمية جديدة قد تهدد استقرار الأسعار؟ فالقرار رقم 1306 لسنة 2026، الذي عدّل آلية تسعير الغاز الطبيعي، يشكل زلزالًا اقتصاديًا للقطاع الصناعي المصري ويضع المواطن أمام واقع جديد لا يخلو من الصدمة، فقد قامت الحكومة بربط أسعار الغاز بالأسواق العالمية، لتحول الطاقة من أداة دعم إلى عبء ثقيل يهدد تنافسية المنتجات المحلية ويضغط على جيوب المواطن”.
وأضاف الدكتور العسيلي: “الأرقام تشير إلى حجم التغيير الذي اضطرته الظروف الاقتصادية: فالقطاع الصناعي شهد زيادة بنسبة 16.6٪ ليصل السعر إلى 14 دولار لكل مليون وحدة حرارية، فيما ارتفع سعر الأسمنت بنسبة 10.7٪ إلى 7.75 دولار، والحديد والصلب والأسمدة غير الأزوتية والبتروكيماويات بنسبة 17.3٪ إلى 6.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية. هذه القفزات السعرية ستنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وبالتالي على أسعار مواد البناء والمشروعات القومية وعلى المواطن الذي سيواجه زيادات مزدوجة في السلع والخدمات”.
وأوضح الخبير الاقتصادي: “القطاع الصناعي يواجه تحديًا كبيرًا في الحفاظ على قدرته التنافسية أمام المنتجات المستوردة، وقد تضطر المصانع إلى تقليص هوامش الربح أو تحميل التكلفة على المستهلك، بينما ستتعرض المالية العامة لضغوط إضافية مع احتمالية زيادة الدعم الموجه للفئات الأكثر تضررًا. وارتفاع أسعار الأسمنت والحديد يرفع تكلفة البناء، وينعكس على أسعار الوحدات السكنية والمشروعات العقارية، ما يبطئ الطلب ويزيد الضغط على برامج الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل”.
أثر على المواطن المحلي والاستثمار الأجنبي المباشر
وتابع الدكتور العسيلي: “لا يقتصر الأثر على المواطن المحلي، بل يمتد أيضًا إلى الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ يقلل ارتفاع تكلفة الطاقة من جاذبية السوق المصرية أمام المستثمرين الباحثين عن بيئة إنتاج منخفضة التكلفة، وقد يبطئ تدفق الاستثمارات الجديدة أو يعرقل خطط التوسيع لبعض الشركات. وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، خاصة في مضيق هرمز واضطرابات أوبك وخروج الإمارات من المنظمة، فإن أسعار الغاز والنفط مرشحة لمزيد من الارتفاعات المتتالية، ما قد يدفع الحكومة لمراجعة الأسعار بشكل متكرر، ويضاعف الأعباء على المواطن ويزيد احتمالات التضخم الجامح”.
واختتم الدكتور العسيلي حديثه قائلًا: “ارتفاع الأسعار مع تباطؤ الإنتاج والاستثمار قد يؤدي إلى ركود تضخمي مزدوج، وهو أخطر السيناريوهات الاقتصادية الممكنة، إذ يحد من قدرة الدولة على التدخل؛ فرفع أسعار الفائدة لكبح التضخم قد يضعف الاستثمار، وضخ دعم إضافي سيزيد العجز المالي. القرار 1306 ليس مجرد أرقام، بل إعلان عن مرحلة جديدة من التسعير العالمي للطاقة، ومع كل ارتفاع جديد، يبقى السؤال: هل تستطيع الصناعة المصرية الصمود، أم سيظل المواطن هو من يدفع الثمن مضاعفًا؟”



