بمناسبة مرور 36 عامًا على رحيله، احتفت وزارة الأوقاف المصرية بذكرى وفاة القارئ الشيخ عبد الحميد الباسوسي، الذي يُعدُّ أحد العلامات الفارقة في تاريخ التلاوة المصرية والعربية.
وُلد الباسوسي في فبراير 1915 بقرية باسوس التابعة لمركز القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، وانطلق منها ليصبح صوتًا صدَّاحًا بالحق في مشارق الأرض ومغاربها، حتى وافته المنية في الثالث عشر من مايو لعام 1990م.
وراثة النور من “باسوس” إلى العالمية
لم تكن مسيرة الشيخ وليدة الصدفة، بل نشأ في كنف أسرة قرآنية بامتياز؛ حيث أتمَّ حفظ كتاب الله كاملًا وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره على يد والده الشيخ حسن الباسوسي. وبفضل نبوغه المبكر، تعمق في دراسة علوم التجويد والقراءات العشر، مما صقل موهبته الفطرية وجعله من أصحاب “البصمة الصوتية” المنفردة التي لا تخطئها أذن المستمعين.
الإذاعة المصرية والمحافل الدولية
اعتُمد الشيخ الباسوسي قارئًا بالإذاعة المصرية في عام 1965م، وهي الخطوة التي منحت صوته تأشيرة العبور إلى قلوب الملايين عبر الأثير. ولم يقتصر دوره على التلاوة فحسب، بل كان “سفيرًا فوق العادة” لمصر في المحافل الدولية؛ حيث سافر مبعوثًا لإحياء الليالي الرمضانية والأمسيات الدينية في دول أوروبية وآسيوية ولاتينية، منها: (إسبانيا، ألمانيا، فرنسا، باكستان، وفنزويلا)، كما حظي بشرف رئاسة لجنة تحكيم المسابقة العالمية للقرآن الكريم في ماليزيا، نظرًا لتمكنه الشديد من أحكام التلاوة.
زهدٌ في الشهرة وبذلٌ للفقراء
اتسمت مسيرة الشيخ الباسوسي ببعد إنساني وخيري عميق؛ حيث ارتبط اسمه في محافظات الصعيد المصري بإحياء السهرات القرآنية التي كانت تتحول بفضل جهوده إلى ساحات لإطعام المساكين ورعاية الأيتام. وعُرف عنه بين أقرانه من جيل العمالقة أمثال المشايخ: عبد الباسط عبد الصمد، ومحمود علي البنا، والطبلاوي بالزهد الشديد والإخلاص التام للمصحف الشريف، مترفعًا عن بريق المال أو الشهرة الزائفة.
إرث خالد وتقدير رسمي
أكدت وزارة الأوقاف في بيانها أن إحياء ذكرى هؤلاء الأعلام هو جزء من رسالتها في الحفاظ على الهوية القرآنية المصرية، وتقديرًا لرجالٍ أفنوا أعمارهم في تلاوة القرآن وتدبر آياته. وترك الشيخ الباسوسي خلفه مكتبة صوتية زاخرة بالتلاوات النادرة التي ما زالت تُبثُّ عبر إذاعة القرآن الكريم، لتظل شاهدةً على حقبة ذهبية من إتقان الأداء وعذوبة الصوت.




