بهذا الأفيه الصادم يكشف فيلم برشامة عملية تعرية فنية لامعة لما يمكن تسميته بـ«التديين المغشوش» الذي يفرّق فيه مجتمعنا المزدوج بين الطقوس والممارسة، بين المظهر والجوهر.
الفيلم يختار معالجة درامية بسيطة لكنها كاشفة، من خلال نماذج بشرية متباينة يجمعها مكان واحد: لجنة امتحان الثانوية العامة «منازل» في إحدى القرى. وهي التجربة الثانية التي تقترب من نقد الزيف الديني في الريف بعد الفيلم الماتع “السادة الأفاضل”، ولكن بروح أكثر فوضوية وسخرية.
«البرشامة» كلمة نحتها المصريون بعبقريتهم الشعبية، لتدل على الغش، أو خلاصة منهج كامل مطويّ في ورقة صغيرة تُخبَّأ بمهارة. وهي ليست مجرد أداة غش، بل استعارة لحياة كاملة: اتقن فيها النحت اللغوي كما اتقن النحت الحياتي؛ طقوس دينية ظاهرة، وفساد باطني متمدد… وممتد.
تدور الأحداث في إطار كوميدي ساخر وفوضوي، خلال يوم مصيري: امتحان اللغة العربية للثانوية العامة. يموت المراقب فجأة في منتصف الاختبار، فيقرر الطلاب إخفاء الجثة لاستغلال الفرصة في «غش جماعي» منظم. تتحول اللجنة إلى ساحة معركة عبثية، تتقاطع فيها طبقات اجتماعية وخلفيات متباينة، كلها تبحث عن النجاح بأي ثمن تضم طالب متفوق مثالي و متدين ابن عمدة غبي ومدلل. راقصة تريد شهادة تنقذ بها مستقبلها سيدة ستينية تسعى لزيادة معاشها مجرم يرى في الشهادة ورقة عبور جديدة.
بطولة جماعية جمعت طاقات فنية لافتة
هشام ماجد ريهام عبد الغفورباسم سمرة مصطفى غريب حاتم صلاح، وفدوى عابد، بمشاركة كمال أبو رية، عارفة عبد الرسول وليد فواز، ومحمد أبو داود.
الفيلم تأليفأحمد الزغبي، شيرين دياب، وخالد دياب.
إخراج خالد دياب
وسط الضحك، قال الفيلم ما لا يُقال. صرح بجرأة إلى أن امتحان اللغة العربية في وعينا الجمعي هو في الأصل امتحان دين
فالبلاغة قرآن، والنحو حديث، وموضوع التعبير سيرة.
حتى اللغة لم تسلم من «التديين»، وكأن النجاح في الإعراب مشروط بصك غفران.
كما أشار إلى أن السلطة الفاسدة – ممثلة في العمدة – ما زالت باطشة، تستغل موقعها المحلي لأقصى حد، وأن قهر المرأة ومنعها من التعليم بذريعة «السمعة» و«العيب» لا يزال قائمًا.
حتي الشخصية المتدينة التي جسدها هشام ماجد قاومت بشراسة كل محاولات إجباره على الغش، حتى تم تكميمه بشرابٍ نتن، و ملابس داخلية لابن العمدة الغبي، في مشاهد عبثية ساخرة.
لكن… في النهاية شارك في النزيف العام.
كتب الإجابات للراقصة، وادعى أنه «مأذون» لينقذ الفتاة من بطش شقيقها، وتحوّل من واعظ ضد الغش إلى شريك فيه، بمبررات إنسانية هذه المرة.
الرسالة هنا أكثر قسوة من الضحك
فالغش لم يعد فعلًا فرديًا، بل صار واقعًا اجتماعيًا، ماكينة ضخمة تدور، ومن لا يدُر معها تُدهسه.
تروسها تطحن القيم في الداخل، بينما اللسان يردد «قال ابن حنبل… وقال ابن حنيفة».
أفيه قبل الوداع… برشامة من أفلام سابقة
الفيلم نفسه لم يخلُ من «برشامات» فنية.
حين أصر الشاب المتدين على عدم مصافحة الراقصة، وردد: «ابن حنبل قال لا يجوز» طوال الأحداث ،وفي نهاية الأحداث عندما أصر أن يسلم عليها ذكرته بجملته فقال «وابن حنيفة قال يجوز»، تذكّرنا بحوار متطابق في فيلم مراتي مدير عام لشادية.
كما أن مشهد التعاون الجماعي لإنقاذ الفتاة من شقيقها يستدعي روح التعاون الشعبي لإنقاذ البطل عادل امام في الإرهاب والكباب
وهكذا، يصبح الفيلم الذي ينتقد «البرشامة»… واقعًا هو نفسه في برشامة.
برشامة من برشيم.
لكن، ربما هذه هي المفارقة الأجمل:
حتى ونحن نفضح الغش… لا نستطيع أن ننجو تمامًا من عدواه.








