كبيرتين تبدو قراءة قاصرة لا ترى الصورة الكاملة، لأن ما جرى فعليًا يتجاوز حدود البيانات المشتركة واللقطات الدبلوماسية ويمتد إلى إعادة تشكيل جزء من النظام الاقتصادي العالمي في لحظة يعيش فيها العالم حالة من الاضطراب غير المسبوق بفعل التوترات الجيوسياسية وتباطؤ النمو وتغير أنماط التجارة والاستثمار والطاقة، ولذلك أعتقد أن المكاسب الحقيقية للصين وروسيا لم تكن مجرد توقيع تفاهمات جديدة أو توسيع نطاق التعاون الثنائي، وإنما كانت مرتبطة بقدرتهما على إرسال رسالة واضحة إلى الأسواق العالمية مفادها أن البدائل الاقتصادية أصبحت واقعًا وليس مجرد فكرة مطروحة للنقاش.
وخلال السنوات الماضية كانت الصين تبحث عن تأمين مصادر الطاقة والمواد الخام والأسواق البديلة، بينما كانت روسيا تبحث عن منافذ اقتصادية جديدة بعد تغير طبيعة علاقاتها مع الغرب، وهنا ظهرت نقطة الالتقاء الكبرى بين البلدين، إذ تحولت العلاقة بينهما من شراكة تقليدية إلى شبكة مصالح اقتصادية مترابطة للغاية تعتمد على الطاقة والتكنولوجيا والنقل والتجارة والاستثمارات والتمويل والعملات المحلية، وأعتقد أن القمة الأخيرة جاءت لتؤكد أن هذه الشبكة لم تعد في مرحلة البناء، بل أصبحت في مرحلة التوسع السريع.
الأرقام وحدها تكشف حجم التحول القائم، فحجم التجارة بين الصين وروسيا تجاوز خلال عام 2025 نحو 227 مليار دولار واستمر فوق حاجز 200 مليار دولار للعام الثالث على التوالي، بينما سجل الربع الأول من عام 2026 نموًا يقارب 15% ليصل إلى أكثر من 61 مليار دولار، وهو ما يعكس أن العلاقة الاقتصادية بين الجانبين لم تعد مرتبطة فقط بظروف سياسية مؤقتة، بل أصبحت جزءًا من البنية التجارية المستقرة لكلا البلدين.
الصين خرجت من هذه القمة بمكاسب استراتيجية هائلة لأنها ضمنت بدرجة أكبر استقرار تدفقات الطاقة الروسية إليها بأسعار أكثر تنافسية مقارنة بأسواق أخرى، كما أنها عززت وصول شركاتها الصناعية والتكنولوجية إلى السوق الروسية التي أصبحت أكثر اعتمادًا على المنتجات الصينية في قطاعات السيارات والإلكترونيات والمعدات الصناعية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
وفي تقديري، فإن بكين تدرك أن الصراع الاقتصادي العالمي الحالي لم يعد صراعًا على السلع فقط، وإنما أصبح صراعًا على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والقدرة على التحكم في الأسواق المستقبلية، ولذلك فإن التوسع داخل روسيا يمثل بالنسبة للصين استثمارًا في النفوذ الاقتصادي طويل الأجل.
أما روسيا فقد حققت بدورها مكاسب لا تقل أهمية، لأنها استطاعت تحويل الضغوط والعقوبات إلى فرصة لإعادة هيكلة اتجاهاتها التجارية والاقتصادية، ونجحت في تقليل الاعتماد على الأسواق الغربية بشكل تدريجي، كما وسعت من استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري وأوجدت مسارات مالية وتجارية جديدة، وهو تحول أراه واحدًا من أكبر المتغيرات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، لأن هيمنة الدولار لم تعد مطلقة كما كانت في الماضي، وأصبح هناك اتجاه متزايد نحو تنويع أدوات التسويات المالية الدولية.
لكن الجانب الأكثر أهمية في تقديري لا يتعلق بمكاسب موسكو أو بكين وحدهما، وإنما يتعلق بالتأثير على الاقتصاد العالمي ككل، لأن العالم يعيش حاليًا مرحلة شديدة الحساسية تتميز بارتفاع مستويات الدين العالمي وتباطؤ بعض الاقتصادات الكبرى وتقلب أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، ولذلك فإن أي شراكة اقتصادية واسعة النطاق بين قوتين بحجم الصين وروسيا يمكن أن تسهم في تخفيف بعض الضغوط الدولية.
وعندما تستقر إمدادات الطاقة الروسية المتجهة إلى آسيا، فإن ذلك يخلق قدرًا أكبر من التوازن في الأسواق، وعندما تستمر المصانع الصينية في الإنتاج والتصدير بوتيرة مرتفعة، فإن ذلك يساعد في الحفاظ على تدفق السلع إلى الأسواق العالمية، وعندما تنمو الاستثمارات العابرة للحدود بين الاقتصادات الكبرى، فإن ذلك يحد من مخاطر الانكماش الاقتصادي العالمي.
ومن هنا أرى أن القمة الأخيرة حملت رسالة غير معلنة تقول إن العالم لن يتوقف حتى في ظل الصراعات الكبرى. الصين نفسها، رغم التحديات، حافظت على حضور اقتصادي ضخم، إذ تجاوز فائضها التجاري خلال 2025 مستويات تاريخية قاربت تريليون دولار، بينما بلغت قيمة تجارتها الخارجية الإجمالية أكثر من 6 تريليونات دولار، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد الصيني ما زال يمتلك قدرة كبيرة على التكيف وإعادة توجيه مساراته التجارية نحو أسواق جديدة.
وما يلفت الانتباه أيضًا أن القمة لم تتعامل مع الاقتصاد بمنطق الأرقام المجردة فقط، وإنما بمنطق النفوذ الاقتصادي المستقبلي، لأن الدول الكبرى أصبحت تدرك أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية، وأن من يمتلك القدرة على التحكم في التجارة والطاقة والتكنولوجيا والتمويل هو من سيملك أدوات التأثير الحقيقي خلال العقود المقبلة.
وأرى أن القمة الصينية الروسية الأخيرة ليست حدثًا عابرًا ولن تكون مجرد صورة جديدة في أرشيف العلاقات الدولية، وإنما تمثل حلقة إضافية في عملية إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي بدأت منذ سنوات وما زالت مستمرة، وربما تكون الرسالة الأهم أن العالم يتحرك بالفعل نحو نظام اقتصادي أكثر تعددية وأقل اعتمادًا على مركز واحد للقرار الاقتصادي، وأن بكين وموسكو تحاولان أن تكونا في قلب هذا التحول وليس على هامشه، وأن المكاسب التي حققتها الدولتان اليوم قد لا تكون في حجم العقود الموقعة أو أرقام التجارة الحالية فقط، وإنما في بناء موقع جديد داخل معادلة الاقتصاد العالمي التي يجري رسمها من جديد أمام أعين الجميع.








