لم تكن كاميرات العالم تبحث عنه، لكنه فرض نفسه على الملايين خلال المباراة الافتتاحية لبطولة كأس العالم 2026 بين المكسيك وجنوب إفريقيا على أرض ملعب أزتيكا الأسطوري بمدينة مكسيكو سيتي، حيث لفت تمثال برونزي يجلس وسط الجماهير أنظار المشاهدين حول العالم، ليفتح باب تساؤل واحد: من هذا الرجل الذي خلد بين المدرجات؟
افتتح كأس العالم 2026 الخميس 11 يونيو 2026، بمواجهة المكسيك وجنوب إفريقيا، التي انتهت بفوز إل تريكولور بثنائية دون رد، في المباراة الافتتاحية للمونديال الذي تحتضنه ملاعب الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخبًا.
تمثال برونزي في مدرجات ملعب أزتيكا
الوجه البرونزي الصامت لا يعود إلى نجم كروي أو مدير فني، بل لمشجع مكسيكي عادي يدعى إيجناسيو فيلانويفا أجويري، الذي اشتهر بين محبيه بلقب ناتشيتو، رجل أحب كرة القدم بصدق، فأحبته مدرجات أزتيكا بطريقة لم يحلم بها أحد.
في عام 2001، أعلنت إدارة نادي كلوب أمريكا المكسيكي عن مسابقة لاختيار أكثر مشجعيه وفاء وإخلاصًا، فتقدم المئات بحججهم وشهاداتهم، ولكن ناتشيتو جاء بما لم يخطر على بال أحد: صندوق كامل محشو بتذاكر مباريات احتفظ بها على مدار 10 سنوات متواصلة، لم يغب خلالها عن مباراة واحدة للفريق، سواء فاز أو خسر، ليؤكد أن حضور المباراة والتشجيع كانا غايته، لا النتيجة، ليدهش المنافسين ويخرج ناتشيتو فائزًا بلا جدال.
تمثال يزن 120 كيلوجرامًا من البرونز
تقديرًا لهذا الإخلاص النادر، قررت إدارة استاد أزتيكا تخليده بصورة غير مسبوقة: تمثال برونزي بالحجم الطبيعي يجلس على أحد مقاعد المدرجات بين الجماهير.
جلس حينها ناتشيتو نحو 11 ساعة متواصلة دون أن يتحرك، حتى يتمكن الفنانون من صب القالب الكامل لجسده بدقة متناهية، وخرج التمثال في نهاية المطاف بوزن بلغ 120 كيلوجرامًا من البرونز.
وفي 30 مايو 2001، جرى الكشف الرسمي عن التمثال، ليصبح ناتشيتو أول مشجع في التاريخ يكرم بهذه الطريقة داخل ملعب أزتيكا العريق.
حين اجتاح وباء كورونا العالم وأغلقت الملاعب أمام الجماهير، بقي تمثال ناتشيتو جالسًا في مكانه المعتاد وسط مدرجات خاوية، شاهدًا صامتًا على مباريات أقيمت خلف أبواب موصدة، فتحول من تمثال تذكاري إلى رمز حي لوفاء الجماهير حتى في أحلك الأوقات.
لم تخل القصة من منعطف مؤلم، إذ فقد ناتشيتو في مرحلة لاحقة بعض الامتيازات التي منحت له في البداية، كحضور المباريات والفعاليات في الملعب مجانًا، ولكن شيئ واحد لم ينتزع منه هو تمثاله الذي ظل راسخًا في قلب أزتيكا، يحضر كل مباراة، ويشهد على واحدة من أصدق وأجمل قصص الوفاء التي عرفتها كرة القدم.


