ماذا لو استيقظ العالم صباح الغد على خبر عاجل يفيد بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وعودة الملاحة البحرية إلى طبيعتها؟ للوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد تطور جيوسياسي في منطقة مضطربة، لكنه في الحقيقة قد يكون أحد أكثر الأخبار تأثيرًا على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية خلال السنوات الأخيرة.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي يفصل بين ضفتي الخليج العربي، بل هو شريان الطاقة الأهم في العالم، من خلاله يمر نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وأكثر من 20 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى ما يقرب من ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا ولذلك أي اضطراب فيه انعكس فورًا على أسعار الطاقة، وأي انفراجة فيه تتحول إلى حدث اقتصادي عالمي قبل أن تكون حدثًا سياسيًا أو عسكريًا.
فإذا فُتح المضيق غدًا، فإن أول من سيتلقى الصدمة سيكون سوق النفط، فالأسعار الحالية لا تعكس فقط حجم العرض والطلب الحقيقيين، بل تتضمن أيضًا ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهذه العلاوة هي الثمن الذي يدفعه المشترون مقابل احتمالات تعطل الإمدادات أو استهداف الناقلات أو اتساع رقعة الصراع في المنطقة، وبالتالي ومع اختفاء هذا الخطر أو تراجعه بشكل كبير، ستبدأ الأسواق تدريجيًا في إعادة تسعير النفط على أساس أكثر هدوءً، ما قد يدفع الأسعار إلى التراجع بصورة ملحوظة.
ومع هبوط النفط، تبدأ سلسلة طويلة من التأثيرات المتلاحقة، فشركات الشحن ستتنفس الصعداء مع انخفاض تكاليف التأمين البحري، وشركات الطيران ستستفيد من تراجع أسعار الوقود، وكذلك المصانع ستواجه تكاليف إنتاج أقل، وحتى الحكومات المستوردة للطاقة ستجد فرصة لتخفيف الضغوط على موازناتها العامة.
لكن القصة لا تتوقف عند النفط، وإن كان أهم العناصر، فالذهب الذي تحول خلال فترات التوتر إلى الملاذ الآمن الأول للمستثمرين، قد يبدأ في فقدان جزء من بريقه، فعندما تنخفض المخاطر الجيوسياسية، يتراجع الدافع للاحتفاظ بالأصول الدفاعية، ويبدأ المستثمرون في البحث مجددًا عن العوائد المرتفعة في الأسهم والأسواق الناشئة، ورغم أن الذهب يُعد ملاذًا آمنًا تقليديًا في أوقات الأزمات، فإن الحرب الأخيرة أظهرت سلوكًا مختلفًا نسبيًا، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تنامي مخاوف التضخم، ما عزز توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما ضغط على المعدن النفيس وأفقده جزءً من مكاسبه الأولية
أما الدولار الأمريكي، فقد يجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا، فخلال الأزمات يتدفق المستثمرون نحو العملة الأمريكية باعتبارها ملاذًا آمنًا، لكن عندما تتراجع المخاطر العالمية، تبدأ هذه التدفقات في الانحسار تدريجيًا، وقد يؤدي ذلك إلى بعض الضغوط على الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، وإن كان التأثير النهائي سيعتمد على توازن عوامل النمو والتضخم والسياسة النقدية الأمريكية.
“وهنا نصل إلى أحد أهم الملفات على الإطلاق: التضخم”
فخلال السنوات الأخيرة كان النفط أحد أبرز المحركات الرئيسية للتضخم العالمي. وكل ارتفاع في أسعار الطاقة كان ينتقل تدريجيًا إلى النقل ثم الصناعة ثم الغذاء وصولًا إلى المستهلك النهائي، لذلك فإن انخفاض أسعار النفط نتيجة إعادة فتح المضيق قد يمنح الاقتصاد العالمي فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من الضغوط السعرية المتواصلة.
وقد تكون البنوك المركزية من أكبر المستفيدين من هذا التطور، فمع تراجع أسعار الطاقة وتخفف الضغوط التضخمية، ستصبح لديها مساحة أكبر لإعادة النظر في سياساتها النقدية المتشددة، وربما تعود الأسواق مجددًا للرهان على خفض أسعار الفائدة بدلًا من استمرار دورة التشديد النقدي.
وفي أسواق المال، سيكون المشهد مختلفًا تمامًا، فالمستثمرون لا يحبون المفاجآت ولا يعيشون مرتاحين في أجواء عدم اليقين، لذلك فإن أي إعلان موثوق بشأن إعادة فتح المضيق واستقرار حركة التجارة قد يدفع البورصات العالمية إلى موجة صعود واسعة، خصوصًا أسهم الصناعة والتكنولوجيا والنقل والطيران والخدمات اللوجستية.
أما عن الاقتصادات الرابحة والخاسرة، من المرجح أن تكون الاقتصادات المستوردة للطاقة، وعلى رأسها الصين والهند واليابان ودول الاتحاد الأوروبي، من أكبر المستفيدين من استقرار الملاحة في المضيق، بينما قد تتراجع مكاسب بعض منتجي النفط مرتفعي التكلفة والمضاربين الذين راهنوا على استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الخام.
لكن رغم كل هذه الآثار الإيجابية المحتملة، فإن السؤال الأهم لن يكون: هل فُتح مضيق هرمز؟ بل: هل سيظل مفتوحًا؟
فالأسواق لا تبني قراراتها على الأحداث اللحظية، بل على استدامة تلك الأحداث. وإذا اعتقد المستثمرون أن فتح المضيق مجرد هدنة مؤقتة أو خطوة قابلة للانتكاس في أي لحظة، فإن رد الفعل الإيجابي قد يكون محدودًا وقصير الأجل، أما إذا ارتبط الفتح بتفاهمات سياسية وأمنية تضمن استمرار تدفق التجارة والطاقة، فقد نشهد بالفعل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في الاقتصاد العالمي.
لهذا السبب، فإن فتح مضيق هرمز لا يعني فقط عبور السفن والناقلات، بل يعني عبور الاقتصاد العالمي من مرحلة الخوف وعدم اليقين إلى مرحلة أكثر هدوءًا، وقد يكون الفرق بين الحالتين عشرات الدولارات في سعر النفط، ومئات المليارات في قيمة الأسواق المالية.


