منذ أن عرف الإنسان الحرب، بوصفها أداة لفرض الإرادة السياسية، ظل السؤال الاقتصادي ملازما لكل صراع كبير هل تؤدي الحروب إلى خلق فرص اقتصادية حقيقية ؟، أم أنها مجرد عملية ضخمة لإعادة توزيع الثروة والموارد بين أطراف مختلفة.. وبينما تبدو الإجابة التقليدية مرتبطة بصور الدمار والانهيار وفقدان الأرواح فإن التعمق في قراءة التاريخ الاقتصادي والسياسي يكشف حقيقة أكثر تعقيدًا مفادها أن الحروب لا تدمر الثروات فقط بل تعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وتغيير مراكز القوة المالية وإعادة توجيه الاستثمارات والتجارة العالمية بصورة تجعل بعض الدول والشركات تحقق مكاسب استثنائية في الوقت الذي تدفع فيه مجتمعات بأكملها ثمن هذه التحولات من استقرارها ومستقبلها ومستويات معيشتها.
وفي تقديري ؟ فإن أكبر خطأ يقع فيه كثير من المحللين يتمثل في النظر إلى الحرب باعتبارها حدثا عسكريا منفصلا عن الاقتصاد بينما الحقيقة أن الصراعات الكبرى كانت دائمًا جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي فالحرب ليست مواجهة بين جيوش فقط بل صراع على الأسواق والموارد والممرات التجارية وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة ومراكز النفوذ المالي ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الحروب تخلق فرصًا اقتصادية وإنما يتعلق بمن يستفيد من هذه الفرص ومن يتحمل تكلفتها ؟ وكيف يتم تحويل الخسائر التي تصيب طرفا ما إلى مكاسب يحققها طرف آخر؟.
لقد شهد التاريخ الحديث نماذج عديدة تؤكد أن الحروب كانت في أحيان كثيرة نقطة تحول في موازين القوة الاقتصادية العالمية فالحربان العالميتان لم تدمرا أوروبا وآسيا فقط بل أسهمتا في صعود الولايات المتحدة باعتبارها القوة الاقتصادية الأولى في العالم حيث تحولت المصانع الأمريكية إلى مركز إنتاج ضخم لتلبية احتياجات الحرب وتدفقت رؤوس الأموال نحو الاقتصاد الأمريكي بينما كانت الاقتصادات الأوروبية تستنزف مواردها البشرية والمالية في ساحات القتال وعندما انتهت الحرب خرجت واشنطن وهي تمتلك القدرة على قيادة النظام المالي والتجاري العالمي لعقود طويلة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم كيف تتحول الحروب إلى أداة لإعادة توزيع الثروة على المستوى الدولي فمع اندلاع أي نزاع كبير تبدأ رؤوس الأموال بالهروب من مناطق الخطر إلى مناطق الأمان وتتغير مسارات التجارة العالمية وتظهر احتياجات جديدة للأسواق وتبرز قطاعات لم تكن تتمتع بالأهمية نفسها قبل الحرب وفي هذه اللحظة تبدأ دورة اقتصادية جديدة تنتج رابحين وخاسرين بعيدا عن نتائج المعارك العسكرية نفسها.
وتبقى الصناعات العسكرية المثال الأكثر وضوحًا على الفرص التي تخلقها الحروب فكل أزمة جيوسياسية جديدة تعني زيادة في الإنفاق الدفاعي وارتفاع الطلب على الأسلحة والذخائر والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي وتقنيات الحرب الإلكترونية وهو ما ينعكس مباشرة على أرباح شركات السلاح وقيمتها السوقية وقدرتها على توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يسجل الإنفاق العسكري العالمي خلال السنوات الأخيرة مستويات قياسية تجاوزت ثلاثة تريليونات دولار في ظل تصاعد التوترات الدولية واستمرار النزاعات المفتوحة في أكثر من منطقة حول العالم.
غير أن اقتصاد الحرب لا يتوقف عند حدود الصناعات العسكرية فالتاريخ يثبت أن الصراعات الكبرى كانت أيضا محركا للتطور التكنولوجي إذ تدفع الضرورات الأمنية الحكومات إلى ضخ استثمارات هائلة في البحث والتطوير ما يؤدي إلى ظهور تقنيات تنتقل لاحقا إلى الاقتصاد المدني وتصبح جزءا من الحياة اليومية للبشر وقد شهد العالم نماذج عديدة لتقنيات خرجت من المشاريع العسكرية قبل أن تتحول إلى أدوات للنمو الاقتصادي والإنتاج المدني وهو ما يفسر العلاقة المعقدة بين الابتكار والحروب في التاريخ المعاصر.
كما تخلق الحروب فرصا استثنائية لقطاعات الطاقة والمواد الخام والنقل والخدمات اللوجستية فكل اضطراب جيوسياسي يرفع أهمية الموارد الاستراتيجية ويزيد من قيمة الدول القادرة على تأمين البدائل كما يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم نحو قطاعات وأصول تعتبر أكثر قدرة على الصمود والاستفادة من التحولات الجديدة وقد كشفت الأزمات الأخيرة كيف يمكن لصراع إقليمي أو لتعطل أحد الممرات البحرية أن يعيد رسم خريطة التجارة الدولية وأن يخلق مراكز اقتصادية جديدة تستفيد من التحولات التي تفرضها ظروف الحرب.
لكن أكثر ما يلفت الانتباه في اقتصاد الصراعات أن المستفيدين الحقيقيين ليسوا دائما الأطراف المنخرطة في القتال بل جهات أخرى بعيدة عن ساحات المواجهة فبينما تستنزف الدول المتحاربة مواردها البشرية والمالية تظهر أطراف جديدة تستثمر في إعادة توجيه التجارة والاستحواذ على الأسواق وتعزيز نفوذها المالي والاستراتيجي ولذلك فإن الحروب كثيرا ما تتحول إلى عملية عالمية لإعادة توزيع المكاسب والخسائر أكثر من كونها مجرد مواجهة عسكرية محدودة.
وفي هذا السياق، تقدم إيران نموذجا بالغ الدلالة على الكيفية التي يمكن أن تنتج بها الحروب والعقوبات فرصا اقتصادية لبعض الفاعلين بالتوازي مع إضعاف الاقتصاد الكلي للدولة فقد دفعت العقوبات الممتدة والصراعات الإقليمية طهران إلى تطوير صناعات عسكرية وتقنية محلية وبناء شبكات اقتصادية وتجارية بديلة مكنتها من التكيف مع الضغوط الخارجية كما ساهمت هذه البيئة في صعود مؤسسات اقتصادية جديدة اكتسبت نفوذا واسعًا داخل الاقتصاد الوطني إلا أن هذه المكاسب الجزئية جاءت على حساب تحديات مزمنة تمثلت في التضخم وتراجع العملة وصعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية وارتفاع تكلفة التمويل وتآكل القوة الشرائية للمواطنين وهو ما يوضح أن اقتصاد الأزمات قد ينجح في إنتاج مراكز قوة جديدة لكنه لا ينجح بالضرورة في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
وهنا تبرز واحدة من أهم المغالطات الاقتصادية المرتبطة بالحروب وهي الاعتقاد بأن زيادة النشاط الاقتصادي الناتج عن الإنفاق العسكري تعني تحقيق نمو حقيقي فالمال الذي يتم إنفاقه على الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة كان يمكن أن يوجه إلى التعليم والصحة والبحث العلمي والبنية التحتية والإنتاج الصناعي والزراعي وبالتالي فإن ما يبدو انتعاشا اقتصاديا في قطاع معين قد يكون في الحقيقة مجرد تحويل للموارد من مجالات منتجة ومستدامة إلى مجالات استهلاكية مرتبطة بظروف استثنائية ومؤقتة.
والأخطر من ذلك في رأيي، أن الحروب لا تدمر رأس المال المادي فقط بل تستنزف رأس المال البشري أيضا فهجرة الكفاءات وتعطل التعليم وانخفاض الإنتاجية وتآكل الطبقة الوسطى كلها عوامل تترك آثارًا طويلة المدى تجعل عملية التعافي أكثر صعوبة وتعقيدا ولهذا فإن الاقتصادات الخارجة من النزاعات تجد نفسها مضطرة لإنفاق سنوات طويلة وربما عقود كاملة لتعويض ما فقدته من موارد وفرص كان يمكن استثمارها في مسارات أكثر استقرارًا وربحية.
وعندما تتوقف المعارك تبدأ مرحلة جديدة تتمثل في إعادة الإعمار وهي المرحلة التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها فرصة اقتصادية هائلة حيث تتحول المدن المدمرة إلى مشاريع ضخمة للبناء والطاقة والاتصالات والبنية التحتية وتتسابق الشركات المحلية والدولية للحصول على عقود بمليارات الدولارات غير أن هذه المرحلة في جوهرها لا تمثل خلقا لثروة جديدة بقدر ما تمثل محاولة لتعويض ما تم تدميره سابقا وغالبا ما يتم تمويلها عبر قروض والتزامات مالية طويلة الأجل تزيد من أعباء الدول المتضررة وتحد من قدرتها على تحقيق استقلال اقتصادي حقيقي.
وتؤكد الأرقام الحديثة، هذه الصورة المركبة للاقتصاد العالمي في زمن الصراعات فبينما تجاوز الإنفاق العسكري العالمي مستويات غير مسبوقة وحققت شركات الدفاع والطاقة مكاسب كبيرة تكبد الاقتصاد العالمي في المقابل خسائر ضخمة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة كما ارتفعت مستويات الدين العام والتضخم في العديد من الدول وتراجعت القوة الشرائية للأسر وازدادت الضغوط على الموازنات الحكومية وهو ما يكشف أن المكاسب التي تحققها قطاعات محددة لا تعوض الخسائر الأوسع التي تصيب الاقتصاد العالمي ككل.
ومن هنا أرى، أن الحروب لا تخلق الازدهار بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما تعيد توزيع الثروة والنفوذ بين أطراف مختلفة وقد تفتح أبوابا واسعة أمام بعض الصناعات والشركات والدول لكنها تفعل ذلك على حساب الاستقرار والتنمية المستدامة فالرابح الاقتصادي في الحرب ليس بالضرورة من ينتصر عسكريا بل من يمتلك القدرة على استغلال التحولات التي تفرضها الصراعات لإعادة تموضعه داخل النظام الاقتصادي العالمي أما الخاسر الأكبر فيبقى دائما المواطن الذي يدفع ثمن الحرب من دخله ومستوى معيشته وفرصه المستقبلية ولذلك فإن السلام يظل من منظور الاقتصاد السياسي المشروع الأكثر ربحية واستدامة في التاريخ بينما تبقى الحروب مهما بدت مربحة للبعض مجرد آلية مكلفة لإعادة توزيع الثروة على أنقاض الدول والشعوب.








