منذ أن استيقظ العالم على إغلاقات جائحة كورونا ثم تلاها اشتعال الصراع في شرق أوروبا وما تبعه من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وصولا إلى التوترات المتصاعدة في الممرات البحرية في مضيق هرمز.
ومع اقترابنا من نهاية عام 2026 يبدو أن العالم لم يعد ينتظر تلك اللحظة التي تعود فيها الأسعار إلى مستوياتها السابقة لأن ما حدث لم يكن مجرد موجة تضخمية عابرة بل تحول بنيوي عميق في طبيعة الاقتصاد العالمي حيث تفككت البنية التي حكمت العولمة لعقود طويلة والتي قامت على الكفاءة القصوى وتوزيع الإنتاج بين دول منخفضة التكلفة وشحن السلع عبر نظام لوجستي عالمي منخفض المخاطر والتكلفة وقد كانت النتيجة آنذاك انخفاضا مستمرا في الأسعار أو على الأقل استقرارا نسبيا في مستوياتها.
هذا النظام بدأ يتآكل تدريجيا مع تصاعد النزاعات الجيوسياسية وتغير أولويات الدول الكبرى وعودة سياسات الحمائية الاقتصادية وإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية داخل الحدود الوطنية أو في دول حليفة مما أدى إلى ارتفاع مباشر في تكلفة الإنتاج الصناعي العالمي بنسب تقديرية تتراوح بين 18 و25 % نتيجة ارتفاع الأجور وتكاليف التشغيل والطاقة في الدول البديلة مقارنة بالمراكز الإنتاجية السابقة كما أن اضطرابات سلاسل الشحن العالمية لم تعد أحداثا طارئة بل أصبحت جزءا من المشهد الدائم مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن بنسبة تقارب 40 % في بعض المسارات الحيوية بسبب تحويل خطوط الملاحة إلى طرق أطول وأكثر تكلفة وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع النهائية التي لم تعد تمتص الصدمات بل تمررها بالكامل إلى المستهلك النهائي ليصبح السعر الجديد هو نقطة انطلاق دائمة لا يعود منها الاقتصاد إلى الخلف.
وفي اتجاه مواز، شهد قطاع الطاقة العالمي تحولات عميقة حيث تراجعت الاستثمارات في الوقود الأحفوري بنسب كبيرة لصالح التحول نحو الطاقة النظيفة لكن هذا التحول لم يواكبه بعد نمو كاف في القدرة الإنتاجية للطاقة البديلة مما خلق فجوة هيكلية في الإمدادات دفعت أسعار النفط إلى مستويات مستقرة مرتفعة نسبيا بين 70 و100 دولار للبرميل في فترات متعددة كما ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء في أوروبا وآسيا بشكل غير مسبوق وهو ما انعكس على كل حلقات الإنتاج الصناعي والزراعي حيث ترتبط الأسمدة والصناعات الثقيلة بالطاقة بشكل مباشر مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالميا بمعدلات تراكمية كبيرة تجاوزت في بعض الفترات 40 % في بعض الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء ومع استمرار هذه الضغوط لم يعد التضخم ظاهرة نقدية قصيرة الأجل بل أصبح نتيجة تداخل بين الطاقة والإنتاج والسياسة الجيوسياسية في الوقت نفسه لعبت السياسات النقدية دورا محوريا في إعادة تشكيل المشهد حيث رفعت البنوك المركزية الكبرى أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين في محاولة لكبح جماح التضخم الذي بلغ مستويات قاربت 9 % في بعض الاقتصادات المتقدمة خلال ذروته لكن هذه السياسات رغم نجاحها النسبي في خفض معدلات التضخم لم تعيد الأسعار إلى مستوياتها السابقة بل ساهمت في تثبيت المستوى العام للأسعار عند سقف أعلى لأن تكلفة الاقتراض أصبحت جزءا أساسيا من تكلفة الإنتاج والاستثمار وبالتالي انعكست على أسعار السلع والخدمات بشكل دائم.
كما أن سوق العمل العالمي، شهد تغيرات هيكلية حيث ارتفعت الأجور الاسمية في قطاعات عديدة بنسب تتراوح بين 74 % سنويا في بعض الاقتصادات الكبرى نتيجة نقص العمالة في مجالات محددة مما خلق حلقة تضخمية جديدة تربط بين الأجور والأسعار بشكل يصعب فصله حيث تقوم الشركات بتمرير أي زيادة في التكلفة إلى المستهلك دون قدرة حقيقية على امتصاصها.
وفي وجهة نظري، أصبحت الطبقة المتوسطة هي الأكثر تعرضا للضغط إذ إنها تعتمد على دخل ثابت نسبيا ولا تمتلك أصولا مالية كافية للاستفادة من ارتفاع الأصول مثل العقارات والأسهم كما أن قدرتها على الادخار تتآكل تدريجيا مع ارتفاع تكاليف المعيشة التي تشمل الغذاء والطاقة والإيجار والنقل بشكل متزامن مما يجعل أي زيادة في الدخل الاسمي غير كافية لتعويض الفجوة الحقيقية في القوة الشرائية.
ومع مرور الوقت تتغير نفسية السوق أيضا حيث لم يعد التضخم مجرد رقم اقتصادي بل أصبح توقعا راسخا لدى الأفراد والشركات بأن الأسعار في المستقبل ستكون أعلى من اليوم وهو ما يخلق سلوكا استباقيا يدفع إلى الشراء المبكر ورفع الأسعار بشكل وقائي مما يعزز استمرار الظاهرة بدلا من كسرها كما أن التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تخفض التكاليف أصبحت في بعض جوانبها عاملا إضافيا لزيادة الضغط على الطاقة والموارد بسبب الطلب الهائل على مراكز البيانات والرقائق والمعادن النادرة مما يجعل أثرها مزدوجا بين خفض بعض التكاليف ورفع أخرى في الوقت نفسه.
ومن زاوية أوسع، يمكن القول إن العالم لا يعيش نهاية النظام الاقتصادي التقليدي بل يعيش انتقالا بطيئا من نموذج العولمة منخفض التكلفة إلى نموذج أكثر تجزئة وأعلى تكلفة وأكثر حساسية للصدمات حيث أصبحت المخاطر الجيوسياسية والمناخية واللوجستية جزءا من التسعير الأساسي لكل سلعة وخدمة ولم يعد بالإمكان افتراض أن الأسعار ستعود إلى ما كانت عليه لأن تلك الأسعار كانت نتاج ظروف تاريخية استثنائية مثل انفتاح الصين وتكامل الأسواق العالمية واستقرار الطاقة وانخفاض تكاليف الشحن وهي ظروف لم تعد قائمة بنفس الشكل أو القوة.
وفي ضوء ذلك، يصبح الحديث عن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الجائحة نوعا من التصور غير الواقعي لأن الاقتصاد العالمي أعاد تعريف نفسه وفق قواعد جديدة تقوم على إدارة المخاطر بدلا من تعظيم الكفاءة فقط وعلى تسعير عدم اليقين باعتباره عنصرا دائما في كل معادلة إنتاجية ومع استمرار هذا المسار يصبح الغلاء ليس حالة طارئة بل حالة نظامية تعكس إعادة تشكيل عميقة في بنية الاقتصاد العالمي حيث تتحول الأسعار المرتفعة من استثناء إلى قاعدة وتصبح المرونة في الهبوط ضعيفة للغاية مقارنة بمرونة الصعود وهو ما يفسر شعور الأفراد بأن الغلاء مستمر حتى في فترات التهدئة لأن التهدئة لا تعني انخفاض الأسعار بل تعني فقط بطء ارتفاعها.
وهنا يمكن القول إن العالم لم يدخل قدرا اقتصاديا محتوما بل دخل مرحلة تاريخية جديدة يعاد فيها توزيع الثروة والتكلفة والمخاطر بطريقة مختلفة تماما عما كان سائدا في العقود السابقة وأن الطبقة المتوسطة هي مركز هذا التحول حيث تتحمل العبء الأكبر من إعادة التسعير العالمية في اقتصاد لم يعد يعترف بالعودة إلى الوراء بل بالتكيف مع واقع جديد تتغير فيه قواعد الحياة الاقتصادية بشكل جذري ومستمر.








