لقد تحملت الاقتصادات الأكثر هشاشة العبء الأكبر من آثار إغلاق مضيق هرمز. وفي دراسة نُشرت حديثًا، حذرت الأونكتاد، وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، من أن هذه التداعيات ستستمر حتى بعد إعادة فتح هذا الممر المائي الاستراتيجي. وتُعد أفريقيا من أكثر المناطق تضررًا بشكل خاص.
في وسط مدرج ترابي للطائرات في ريف مدغشقر، يُنقل مريض إلى طائرة على أمل نقله إلى أقرب مستشفى. لكن صحيفة «ديلي تلجراف» تشير إلى أنه «لا يوجد فريق طبي في البلدة المجاورة ولا سيارة إسعاف جاهزة لنقله»، وبالتالي لا يستطيع الصعود إلى الطائرة. «الخيار الوحيد المتبقي هو رحلة تستغرق يومًا كاملًا عبر طرق لا يمكن اجتيازها إلا بسيارات الدفع الرباعي»، وهي رحلة لن ينجو منها.
سياق جيوسياسي مضطرب
ولا يُسهم السياق الجيوسياسي في تحسين الوضع. فـ«جمعية الطيران التبشيري» (MAF)، وهي «منظمة خيرية تضمن بقاء المجتمعات الأكثر عزلة في مدغشقر»، وغالبًا ما يكون طياروها هم حلقة الوصل الوحيدة بين القرى النائية والرعاية الطبية، تجد نفسها في مأزق. فقد ارتفع سعر الكيروسين لديها بنسبة 74% منذ بداية الحرب في إيران، وفقًا للصحيفة البريطانية.
كانت مدغشقر، خامس أفقر دولة في العالم، حيث يعاني 1.57 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، تعيش حالة طوارئ بالفعل. ولكن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا هجومهما على إيران في 28 فبراير، مما أدى إلى إغلاق مضيق هرمز، “الذي يمر عبره خُمس نفط العالم”.
ومع إغلاق مضيق هرمز، لم يقتصر التأثير على أسعار النفط العالمية فحسب، بل امتد بسرعة إلى سلاسل الإمداد نحو القارة الأفريقية، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات الوقود والمواد الأساسية عبر المسارات البحرية الطويلة.
فقد أدى ارتفاع أسعار الشحن والتأمين إلى زيادة تكلفة استيراد الغذاء والدواء في عدد من الدول الأفريقية، خصوصًا تلك التي تعاني أصلًا من عجز في العملة الصعبة. وفي بعض الموانئ، تأخرت الشحنات الأساسية أو أُعيد توجيهها عبر مسارات أطول وأكثر كلفة، ما عمّق الضغوط التضخمية.
خبراء يحذرون
ويحذّر خبراء من أن الأثر لا يتوقف عند فترة الإغلاق نفسها، إذ إن إعادة فتح المضيق لا تعني عودة فورية للأسعار إلى مستوياتها السابقة. فشركات التأمين البحري تعيد تسعير المخاطر لفترات طويلة بعد أي اضطراب جيوسياسي كبير، ما يعني أن الدول الأكثر هشاشة ستستمر في دفع “ضريبة عدم الاستقرار” شهورًا، وربما سنوات.
كما ينعكس ذلك مباشرة على برامج المساعدات الإنسانية في دول مثل مدغشقر ومنطقة الساحل، حيث ترتفع كلفة تشغيل الطيران الإغاثي ونقل الإمدادات الطبية، ما يهدد بتقليص حجم الخدمات في مناطق معزولة تعتمد كليًا على الدعم الخارجي.
وبحسب هذا المنظور، فإن الأزمة لا تُقرأ كحدث طارئ عابر، بل كحلقة إضافية في هشاشة بنيوية تجعل أفريقيا من أكثر المناطق تعرضًا لصدمات الاقتصاد العالمي، حتى عندما تكون بعيدة جغرافيًا عن مركز الصراع.




