لم تعد التوترات الجيوسياسية ضمانة تلقائية لارتفاع أسعار الذهب كما كان يعتقد كثير من المستثمرين، إذ بات المشهد أكثر تعقيدًا مع تداخل الحرب والطاقة والتضخم والفائدة والدولار وعوائد السندات، وقد ظهر ذلك بوضوح مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي تزامنت مع تراجع قوي في أسعار المعدن النفيس، رغم تصاعد المخاطر السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط.
بدأت موجة الهبوط مع القفزة التي شهدتها أسعار النفط عقب اندلاع المواجهة، إذ أثار ارتفاع الخام مخاوف الأسواق من عودة الضغوط التضخمية، وما قد يترتب عليها من استمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التشدد إذا خرج التضخم عن السيطرة، وأسهم ذلك في تعزيز قوة الدولار الأمريكي، الذي يمثل أحد أهم مصادر الضغط على الذهب، لأن ارتفاع العملة الأمريكية يزيد تكلفة شراء المعدن المقوم بالدولار بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، ويضعف الطلب العالمي عليه.
وخلال المرحلة الأولى من الحرب، ظهرت علاقة عكسية واضحة بين النفط والذهب؛ فكلما ارتفعت أسعار الخام، تعرض المعدن النفيس لمزيد من الضغوط، ولا يرجع ذلك إلى منافسة مباشرة بين الأصلين، وإنما إلى أن ارتفاع الطاقة يزيد مخاطر التضخم، ويدعم احتمالات استمرار الفائدة المرتفعة، ويمنح الدولار مزيدًا من القوة، لذلك لم تتحول الحرب إلى موجة شراء آمنة للذهب، بل أصبحت عاملًا يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية الأمريكية.
ورغم تراجع بيانات التضخم الأمريكية مؤخرًا وانخفاض أسعار النفط عن مستوياتها المرتفعة، لم ينجح الذهب في استعادة اتجاهه الصاعد، لأن الأسواق لا تسعّر ما حدث فقط، وإنما تبني قراراتها على توقعات الأشهر المقبلة.
فقد عكست بيانات التضخم الأخيرة هدوءًا نسبيًا خلال يونيو، لكن انهيار الهدنة وتجدد الضربات الأمريكية على إيران دفعا المستثمرين إلى تسعير موجة جديدة محتملة من ارتفاع أسعار النفط والطاقة واضطراب التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
وبذلك، لم تعد السوق تنظر إلى التضخم الذي تراجع في الشهر الماضي، بل إلى التضخم الذي قد يعود إذا اتسعت الحرب أو تعطلت طرق التجارة وإمدادات الطاقة. ويكفي هذا الاحتمال لتأجيل توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، والإبقاء على الضغط الواقع على الذهب.
كما يواجه المعدن النفيس تحولًا في اتجاه السيولة الاستثمارية، بعدما ساهم تباطؤ التضخم في تنشيط أسواق الأسهم وتحسن شهية المخاطرة. وتزامن ذلك مع تخارجات بلغت نحو 7.7 مليار دولار من صناديق الذهب في أمريكا الشمالية، مع انتقال جزء من الأموال إلى الأصول مرتفعة العائد، خاصة الأسهم، وتعكس هذه التحركات اتجاه المستثمرين إلى جني الأرباح بعد موجة الصعود القوية السابقة، وإعادة توجيه السيولة إلى أدوات تحقق عائدًا دوريًا، في حين لا يمنح الذهب حائزه فائدة أو توزيعات أرباح.
وتظل عوائد سندات الخزانة الأمريكية عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأسعار، إذ يجعل ارتفاعها السندات أكثر جاذبية باعتبارها أدوات آمنة توفر عائدًا واضحًا. ولذلك لا يكفي تراجع النفط أو تباطؤ التضخم مؤقتًا لإعادة الذهب إلى الصعود، ما لم يصاحب ذلك انخفاض ملموس في عوائد السندات، وضعف الدولار، وتحول واضح في سياسة الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض الفائدة.
وتشير تقديرات مجلس الذهب العالمي إلى أن السعر المعقول للمعدن النفيس يدور حول 4100 دولار للأونصة، بينما يعكس كسر مستوى 4 آلاف دولار ضغوطًا بيعية قوية. ويرى المجلس في الوقت نفسه أن القفزات السابقة التي دفعت الذهب إلى تجاوز 5 آلاف دولار تضمنت مبالغة سعرية، وأن السوق كان يحتاج إلى تصحيح بعد تلك الارتفاعات. كما يرى «ساكسو بنك» أن الذهب سيظل تحت الضغط ما دامت الصدمات الجيوسياسية تدفع توقعات الفائدة إلى الارتفاع، بما يؤكد أن الحروب لا تكون إيجابية دائمًا للذهب عندما تؤدي إلى زيادة التضخم وقوة الدولار.
وتصف مؤسسة «ستيت ستريت» المشهد بأنه لعبة شد حبل بين ضغط تكتيكي قصير الأجل ناتج عن السياسة النقدية الأمريكية، ودعم هيكلي طويل الأجل يرتبط بتضخم الديون العالمية، التي تجاوزت 350 تريليون دولار. فالديون الضخمة وعدم استقرار العملات يعززان أهمية الذهب بوصفه أداة للتحوط وحفظ القيمة، إلا أن هذا الدعم يصطدم بالموقف المتشدد لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، الذي أكد أمام الكونغرس عدم التسامح مع التضخم، من دون تقديم إشارة إلى خفض قريب للفائدة.
وفي المقابل، تواصل البنوك المركزية شراء الذهب بكثافة، وسط توقعات بأن يتجاوز طلبها 600 طن خلال العام الحالي. ويكشف ذلك عن مسارين متعاكسين؛ مستثمرون قصيرو الأجل يبيعون لجني الأرباح أو الانتقال إلى الأسهم والسندات، وبنوك مركزية تراكم الذهب لأغراض استراتيجية مرتبطة بالتحوط من الديون والمخاطر المالية والجيوسياسية.
وتتوقف نهاية موجة التراجع على ثلاث إشارات رئيسية: صدور موقف واضح من الاحتياطي الفيدرالي يفيد بقرب انتهاء مرحلة الفائدة المرتفعة، وظهور تباطؤ أقوى في الاقتصاد العالمي يعيد مخاوف الركود والطلب على الملاذات الآمنة، واستمرار مشتريات البنوك المركزية بما يوفر قاعدة دعم طويلة الأجل، ولذلك فإن الهبوط الحالي لا يعني انتهاء عصر الذهب، لكنه يعكس تصحيحًا فنيًا وإعادة تسعير في ظل صراع بين قوة الدولار والفائدة المرتفعة من جهة، والديون العالمية والطلب الاستراتيجي من جهة أخرى.


