أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المالي والاقتصادي، أن ارتفاع سعر الدولار لا يستدعي القلق في جميع الحالات، موضحًا أن تقييم تحركات سوق الصرف يجب أن يعتمد على أسباب الارتفاع ومدته وحجمه، ومدى ارتباطه بعوامل مؤقتة أو اختلالات هيكلية داخل الاقتصاد.
وقال شوقي إن تطبيق نظام أكثر مرونة لسعر الصرف جعل تحركات الدولار تعكس بدرجة أكبر التغيرات الفعلية في حجم العرض والطلب داخل سوق النقد الأجنبي، بدلًا من تثبيت السعر عند مستويات لا تعبر بصورة كاملة عن الأوضاع الاقتصادية.
وأوضح أن ارتفاع سعر الدولار قد ينتج عن زيادة الطلب على النقد الأجنبي لتمويل الواردات، خاصة واردات مستلزمات الإنتاج والسلع الاستراتيجية والطاقة والمواد الخام.
وأضاف أن الطلب على الدولار قد يرتفع كذلك نتيجة الحاجة إلى سداد الالتزامات والمدفوعات الخارجية، بما يشمل أقساط الديون والفوائد والمستحقات الخاصة بالجهات والموردين في الخارج.
وأشار إلى أن تحركات سعر الصرف قد تنتج أيضًا عن تراجع مؤقت في بعض مصادر النقد الأجنبي، مثل انخفاض إيرادات السياحة أو قناة السويس أو الصادرات أو تحويلات العاملين بالخارج.
وأكد أن التراجع المؤقت في أحد هذه المصادر لا يعني بالضرورة وجود أزمة مستدامة، خاصة إذا كان الاقتصاد قادرًا على تعويض النقص من مصادر أخرى، ويتمتع بدرجة مناسبة من التنوع في موارده الدولارية.
ولفت شوقي إلى أن تحركات المستثمرين الدوليين في الأسواق الناشئة تؤثر بدورها في أسعار الصرف، إذ قد تتجه رؤوس الأموال نحو الخروج من بعض الأسواق خلال فترات ارتفاع أسعار الفائدة العالمية أو زيادة المخاطر.
وأضاف أن هذه التدفقات قد تعود مرة أخرى مع تحسن الظروف الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع المخاطر، وارتفاع العائد الحقيقي على أدوات الاستثمار المحلية.
وأوضح أن العوامل الجيوسياسية تؤثر بصورة مباشرة في حركة رؤوس الأموال وسلوك المستثمرين، كما تنعكس على تكاليف التجارة والنقل والتأمين، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار باعتباره من أهم العملات المستخدمة في المعاملات الدولية.
وأكد أن القضية الأساسية لا تتمثل في منع سعر الدولار من التحرك بصورة كاملة، لأن سوق الصرف يتأثر بطبيعته بعوامل اقتصادية ومالية وتجارية متعددة، وإنما تتمثل في تقليل حساسية الاقتصاد لهذه التحركات.
وأشار إلى ضرورة الحد من انعكاسات تقلبات سعر الصرف على تكاليف الإنتاج والأسعار ومعدلات التضخم ومستويات معيشة المواطنين، من خلال زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وشدد شوقي على أن استقرار سعر الصرف على المدى الطويل لا يمكن أن يتحقق من خلال السياسة النقدية وحدها، رغم أهميتها في ضبط السيولة ومواجهة التضخم وتنظيم سوق النقد الأجنبي.
وأوضح أن السياسة النقدية تستطيع إدارة الضغوط قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع بمفردها علاج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، أو توفير مصادر دائمة ومستقرة للنقد الأجنبي.
وأضاف أن تحقيق استقرار مستدام يتطلب بناء اقتصاد إنتاجي قادر على زيادة الصادرات، وإحلال المنتجات المحلية محل الواردات، وتشجيع الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي.
كما يتطلب تحسين الإنتاجية، وتخفيض تكاليف الإنتاج، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل إجراءات الاستثمار والتجارة، وتعزيز تنافسية المنتجات والخدمات المحلية في الأسواق العالمية.
وأشار شوقي إلى ضرورة تنويع مصادر النقد الأجنبي، وعدم الاعتماد بصورة مفرطة على مصدر واحد أو مجموعة محدودة من الموارد، حتى لا يتعرض الاقتصاد لضغوط حادة عند تراجع أحدها.
وأكد أهمية دعم الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتطوير الخدمات الرقمية واللوجستية والمالية، وزيادة قدرة الشركات المحلية على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية.
وأضاف أن زيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلي وتوسيع قاعدة الإنتاج تمثل الحائط الرئيسي للدفاع عن استقرار سوق الصرف، لأنها تحد من الطلب على الدولار وتزيد المعروض منه في الوقت نفسه.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن الاستقرار الحقيقي لسعر الصرف لا يتحقق بمجرد السيطرة المؤقتة على السعر، وإنما ببناء اقتصاد قادر على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة ومواجهة الصدمات الخارجية.


