توقع الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن يتحرك سعر الدولار أمام الجنيه المصري خلال النصف الثاني من العام داخل نطاق يتراوح بين 49 و53 جنيهًا، في ضوء مجموعة من العوامل المحلية والخارجية التي تتحكم في حجم المعروض والطلب على النقد الأجنبي.
وقال عبد الهادي، في تصريحات خاصة، إن سعر الدولار من المرجح أن يدور في أغلب التعاملات بالقرب من مستويات تتراوح بين 51 و52 جنيهًا، في ظل حالة من التوازن النسبي بين مصادر النقد الأجنبي والضغوط المرتبطة بالطلب على العملة الأجنبية.
وأوضح أن مستقبل الجنيه المصري سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الاقتصاد على زيادة موارده الدولارية المستدامة، وتقليل الاعتماد على التدفقات الأجنبية قصيرة الأجل، خاصة الاستثمارات الموجهة إلى أدوات الدين الحكومية.
تحويلات المصريين والسياحة تدعمان الجنيه
وأشار عبد الهادي إلى أن الجنيه المصري يحصل على دعم من عدد من مصادر النقد الأجنبي، في مقدمتها ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي تعد أحد أهم الموارد الدولارية للاقتصاد المصري.
وأضاف أن تحسن إيرادات قطاع السياحة يمثل عاملًا مهمًا في دعم سوق الصرف، خاصة مع استمرار تدفقات السياحة الأجنبية وزيادة أعداد الزائرين وارتفاع الإيرادات المتحققة من القطاع.
وأوضح أن التحسن التدريجي في إيرادات قناة السويس يمكن أن يدعم موارد الدولة من العملات الأجنبية، بالتزامن مع عودة حركة الملاحة البحرية بصورة أكثر انتظامًا وتراجع حدة الاضطرابات الإقليمية.
وأشار إلى أن التمويلات الدولية التي تحصل عليها مصر من المؤسسات المالية والشركاء الدوليين تساهم أيضًا في دعم السيولة الأجنبية وتلبية جانب من الاحتياجات التمويلية والالتزامات الخارجية.
الفائدة الحقيقية تعزز استثمارات أدوات الدين
وقال الخبير الاقتصادي إن ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية يدعم تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين الحكومية، ويعزز جاذبية السوق المصرية أمام استثمارات المحافظ المالية الباحثة عن عوائد مرتفعة.
وأضاف أن استمرار هذه التدفقات، بالتزامن مع نمو إيرادات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج والصادرات، يمكن أن يساعد في الحفاظ على قدر من الاستقرار في سوق الصرف وتوفير احتياجات الاقتصاد من العملات الأجنبية.
وأوضح أن استقرار سعر الصرف وتحسن توافر النقد الأجنبي يساعدان المستثمرين على تقييم الأصول بصورة أفضل، ويحدان من المخاطر المرتبطة بالتقلبات الحادة في قيمة العملة.
وأكد أن هذه العوامل يمكن أن تدعم تحرك الدولار داخل نطاق محدود نسبيًا خلال النصف الثاني من العام، ما لم تحدث تطورات خارجية أو إقليمية تؤدي إلى زيادة مفاجئة في الطلب على النقد الأجنبي.
فاتورة الطاقة تضغط على سوق الصرف
وفي المقابل، حذر عبد الهادي من استمرار عدد من الضغوط التي قد تحد من قدرة الجنيه على تحقيق مكاسب كبيرة أمام الدولار، وفي مقدمتها ارتفاع فاتورة واردات الطاقة والمواد البترولية.
وأشار إلى أن استمرار أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة يؤدي إلى زيادة احتياجات الدولة والشركات من النقد الأجنبي لتمويل الواردات البترولية، وهو ما يرفع حجم الطلب على الدولار داخل السوق المحلية.
وأضاف أن أزمة الطاقة والتقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية قد تفرض ضغوطًا إضافية على ميزان المدفوعات، خاصة إذا ارتفعت تكلفة استيراد الوقود والمواد الخام والسلع الأساسية.
وأوضح أن ارتفاع فاتورة الواردات لا يضغط فقط على موارد النقد الأجنبي، بل قد ينعكس أيضًا على مستويات الأسعار والتضخم وتكلفة الإنتاج، بما يؤثر بصورة غير مباشرة في أداء الجنيه.
عجز الحساب الجاري ومدفوعات الدين
ولفت عبد الهادي إلى أن عجز الحساب الجاري يمثل أحد مصادر الضغط على العملة المحلية، نتيجة زيادة قيمة المدفوعات الخارجية مقارنة بحجم الإيرادات الدولارية.
وأضاف أن مدفوعات الدين الخارجي، بما تتضمنه من أقساط وفوائد والتزامات دولية، تستحوذ على جزء من موارد النقد الأجنبي المتاحة، وتزيد حاجة الدولة إلى تدبير السيولة الدولارية خلال فترات الاستحقاق.
وأوضح أن جزءًا من التدفقات الأجنبية التي تدخل الاقتصاد المصري قد يتجه إلى دعم الاحتياطي النقدي وسداد الالتزامات الخارجية وتغطية فاتورة الواردات، بدلًا من أن ينعكس بصورة مباشرة على ارتفاع قيمة الجنيه أمام الدولار.
وأشار إلى أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستويات تاريخية يعد مؤشرًا إيجابيًا، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق ارتفاع كبير في قيمة الجنيه، لأن الاحتياطي يمثل خط دفاع لتغطية الواردات والالتزامات الخارجية ومواجهة الصدمات المحتملة.
التوترات الإقليمية تهدد استثمارات المحافظ
وحذر الخبير الاقتصادي من أن استثمارات المحافظ المالية تظل شديدة الحساسية للتطورات والتوترات الإقليمية، وقد تشهد خروجًا سريعًا في حال حدوث تصعيد سياسي أو عسكري واسع.
وأضاف أن أي خروج مفاجئ للاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار ورفع حدة التقلبات في سوق الصرف، خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع مدفوعات الدين أو زيادة فاتورة الواردات.
وأوضح أن استثمارات المحافظ تعد من التدفقات قصيرة الأجل، ويمكن أن تدخل أو تخرج من الأسواق بصورة سريعة وفقًا للتغيرات في أسعار الفائدة والمخاطر الجيوسياسية واتجاهات المستثمرين العالميين.
وأكد أن الاعتماد المفرط على هذه التدفقات لا يمثل حلًا مستدامًا لدعم الجنيه، رغم دورها في زيادة المعروض من النقد الأجنبي خلال بعض الفترات.
مصادر النقد المستدامة تحسم مستقبل الجنيه
وأكد الدكتور محمد عبد الهادي أن مستقبل سعر الصرف سيظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد المصري على زيادة مصادر النقد الأجنبي المستدامة، خاصة الصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر وإيرادات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس.
وأضاف أن جذب مستثمرين استراتيجيين إلى الشركات والأصول المصرية يمكن أن يوفر تدفقات دولارية أكثر استدامة من استثمارات أدوات الدين، إلى جانب نقل التكنولوجيا والخبرات وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات.
وأشار إلى أن زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، خاصة في قطاعات الطاقة والسلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج، من شأنهما تخفيف الضغط على سوق الصرف وتقليل الطلب على الدولار.
وشدد على أن الحفاظ على استقرار الجنيه يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية، ورفع مساهمة القطاع الخاص، وتحسين مناخ الاستثمار والإنتاج.
كما أكد أن تحرك الدولار في نطاق يتراوح بين 49 و53 جنيهًا يظل السيناريو الأقرب خلال النصف الثاني من العام، مع ترجيح التداول قرب مستويات 51 و52 جنيهًا، بشرط استمرار تدفقات النقد الأجنبي وعدم حدوث تصعيد إقليمي واسع يضغط على الأسواق.




