تواجه مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة عقبة لا تخضع بالكامل لقرارات البيت الأبيض أو حتى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذ تفرض سوق السندات الأمريكية حساباتها الخاصة، مدفوعة بمخاوف متزايدة من اتساع عجز الموازنة وارتفاع الدين وتضخم فاتورة الفوائد.
وفي ظل صعود عوائد السندات طويلة الأجل، تتزايد التساؤلات حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على خفض تكلفة الاقتراض، حتى إذا اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى تيسير السياسة النقدية، وهو ما يضع الاقتصاد الأمريكي أمام معادلة معقدة بين رغبة سياسية في خفض الفائدة وضغوط سوقية تفرض عوائد مرتفعة.
قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط من أجل خفض أسعار الفائدة تصطدم بعامل أكثر تعقيدًا من قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يتمثل في سوق السندات الأمريكية، الذي تتحكم فيه قرارات المستثمرين وتقييماتهم لمستقبل الاقتصاد والمالية العامة للولايات المتحدة.
وأوضح عبد الهادي، في تصريحات خاصة ، أن ترامب يضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، ويرى أن الولايات المتحدة يجب أن تتمتع بأدنى مستويات للفائدة في العالم، إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يتوقف فقط على قرارات البنك المركزي الأمريكي، إذ توجد سوق ضخمة للسندات لا يستطيع الرئيس الأمريكي التحكم في اتجاهاتها بشكل مباشر.
وأشار إلى أن الخزانة الأمريكية تطرح سندات لأجل 30 عامًا، أي ديونًا طويلة الأجل تستحق بعد ثلاثة عقود، وسط توقعات بأن يقترب العائد عليها من 5.2%، وهو أعلى عائد في مزاد مماثل منذ عام 2001، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها سوق الدين الأمريكية، إلى جانب ارتفاع العائد المطلوب من جانب المستثمرين للاحتفاظ بالديون الحكومية طويلة الأجل.
وأضاف عبد الهادي أن مطالبة المستثمرين بعوائد مرتفعة لا ترتبط بالتضخم فقط، وإنما تعكس كذلك تنامي القلق بشأن أوضاع المالية العامة الأمريكية، خاصة في ظل استمرار ارتفاع عجز الموازنة وحجم الاقتراض الحكومي.
وأوضح أن عجز الميزانية الأمريكية بلغ 432 مليار دولار خلال شهر يوليو وحده، ليصبح رابع أكبر عجز شهري في تاريخ الولايات المتحدة، بينما اقترب إجمالي العجز منذ بداية السنة المالية من 1.8 تريليون دولار.
وأكد أن الضغوط لا تقتصر على حجم العجز، إذ تجاوزت فاتورة فوائد الدين الأمريكي خلال عام واحد مستوى تريليون دولار، وهو ما يضيف عبئًا كبيرًا على المالية العامة ويزيد احتياجات الحكومة إلى الاقتراض لتمويل التزاماتها المختلفة.
وقال عبد الهادي إن استمرار العجز المرتفع يعني أن الحكومة الأمريكية ستكون مضطرة إلى إصدار المزيد من السندات للحصول على التمويل اللازم، ومع زيادة المعروض من أدوات الدين قد يطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل شرائها، خاصة إذا زادت مخاوفهم بشأن قدرة الحكومة على السيطرة على مستويات الدين والعجز مستقبلًا.
وأضاف أن هذه التطورات تبرز دور ما يُعرف في الأسواق بـ«حراس سوق السندات»، موضحًا أن هذا المصطلح لا يشير إلى مؤسسة أو جهة رسمية بعينها، وإنما إلى المستثمرين الذين يتخذون مواقف سلبية تجاه سياسات الحكومات التي يرون أنها تتوسع بصورة مفرطة في الإنفاق والاقتراض.
وأشار إلى أن هؤلاء المستثمرين يستطيعون ممارسة ضغوط كبيرة على الحكومات من خلال بيع السندات التي يمتلكونها، أو رفض شراء الإصدارات الجديدة إلا مقابل عوائد مرتفعة، وهو ما يؤدي بدوره إلى رفع تكلفة الاقتراض الحكومي حتى في حالة اتجاه البنك المركزي إلى تخفيف السياسة النقدية.
وأوضح عبد الهادي أن بيانات التضخم المعتدلة التي صدرت خلال الأسبوع، إلى جانب مؤشرات ضعف سوق العمل في نهاية الأسبوع السابق، ساهمت في تهدئة الأسواق بصورة مؤقتة، كما أثرت في رهانات المستثمرين المتعلقة بمسار أسعار الفائدة خلال العام، إلا أن هذه التطورات لم تُنه المخاوف المرتبطة بالديون والعجز المالي الأمريكي.
وأكد أن المعضلة الأساسية أمام ترامب تكمن في الفرق بين أسعار الفائدة قصيرة الأجل التي يستطيع الاحتياطي الفيدرالي التأثير فيها من خلال قرارات السياسة النقدية، وبين العوائد على السندات الحكومية طويلة الأجل، ومنها سندات الثلاثين عامًا، والتي تحددها بصورة أساسية قوى السوق وتقييم المستثمرين لمستقبل الاقتصاد الأمريكي ومستويات الدين والمخاطر المالية.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي يستطيع ممارسة ضغوط سياسية على الاحتياطي الفيدرالي من أجل خفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل، لكن هذه الضغوط لا تضمن انخفاض تكلفة الاقتراض طويل الأجل إذا استمرت الأسواق في المطالبة بعوائد مرتفعة على سندات الخزانة الأمريكية.
واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن سوق السندات تمثل اختبارًا حقيقيًا لأي توجه سياسي يستهدف خفض تكلفة التمويل في الولايات المتحدة، لأن المستثمرين هم من يحددون في النهاية العائد الذي يطلبونه مقابل إقراض الحكومة لفترات طويلة، مضيفًا أن ترامب قد يستطيع الضغط على رئيس الاحتياطي الفيدرالي، لكنه لا يستطيع إصدار أوامر لسوق تتحرك فيها تريليونات الدولارات وتخضع لتقييمات المستثمرين للمخاطر الاقتصادية والمالية.


