تهدف عملية “المنبوذ الاقتصادي” التى أطلقتها واشنطن إلى شلّ الجمهورية الإسلامية، التي تواجه أصلًا صعوبات اقتصادية حادة، من خلال استهداف شركائها التجاريين الرئيسيين. لكن يزال نظام الملالى لا يزال يمتلك نفوذًا، وفقًا لمجلة الإيكونوميست.
قبل ستة أشهر، عندما أطلق دونالد ترامب عملية “الغضب الملحمي”، كان يعوّل على القوة العسكرية الأمريكية لسحق النظام الإيراني. ثم، بعد أن أثبتت القنابل عدم جدواها، لجأ إلى نهج أكثر ليونة. في يونيو، عرضت واشنطن على إيران تخفيف العقوبات وضخ مليارات الدولارات من الاستثمارات، على أمل أن يعيد الملالي فتح مضيق هرمز ويتخلوا عن طموحاتهم النووية. ولكن دون جدوى. لذا، تستخدم أمريكا الآن أدوات اقتصادية في محاولة لكسر النظام الإيراني.
تخضع إيران لعقوبات أمريكية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وخلال ولايته الأولى، مارس ترامب “أقصى الضغوط” على النظام لإجباره على تقديم تنازلات بشأن برنامجه النووي. وقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مؤخرًا عن عملية “المنبوذ الاقتصادي”، وهي “هجوم اقتصادي واسع النطاق على العلاقات المالية الإيرانية حول العالم”. وبالتالي، فإن هذه العملية تتجاوز “أقصى الضغوط “.
بالإضافة إلى حصارها لصادرات النفط الإيرانية، تهدف الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على شركاء طهران التجاريين وعلى المؤسسات التي تساعد النظام في تحويلات رأس المال.
في الوقت الحالي، تمتلك أمريكا قدرة هائلة على فرض العزلة المالية، لكنها تواجه مشكلة أساسية: إيران ليست دولة تعتمد على منفذ اقتصادي واحد يمكن إغلاقه بضربة واحدة. فقد أمضت الجمهورية الإسلامية 47 عامًا تحت العقوبات، وطورت خلال هذه الفترة شبكات واسعة من الوسطاء والشركات الواجهة والقنوات المالية البديلة، كما أقامت علاقات تجارية عميقة مع دول لا تشارك واشنطن بالضرورة أهدافها تجاه طهران.
نقطة الضعف الرئيسية في الخطة الأمريكية
وتظل الصين الحلقة الأهم في هذه الشبكة. فهي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وقد استوعبت في 2025 الجزء الأكبر من الصادرات النفطية الإيرانية المنقولة بحرًا. ولذلك فإن نجاح عملية “المنبوذ الاقتصادي” يتوقف، إلى حد كبير، على استعداد بكين للتعاون مع واشنطن. لكن المؤشرات الأولى لا توحي بأن الصين مستعدة للذهاب إلى هذا الحد؛ فقد أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن تعاونها مع إيران يتم في إطار القانون الدولي، وأن بكين ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة.
وهذه هي نقطة الضعف الرئيسية في الخطة الأمريكية. فبإمكان واشنطن أن تعاقب عشرات الشركات والناقلات والوسطاء، وأن تهدد البنوك والمؤسسات التي تساعد إيران على تحويل عائداتها النفطية، لكنها لا تستطيع بسهولة إجبار الصين على التخلي عن أحد أهم مورديها للطاقة من دون أن تدفع ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا هي الأخرى.
ولذلك يبدو أن عملية “المنبوذ الاقتصادي” تستهدف، في أحد جوانبها الأساسية، الشركاء الأجانب أكثر مما تستهدف الاقتصاد الإيراني مباشرة. فالولايات المتحدة تريد أن تجعل التعامل مع إيران خطرًا على أي شركة أو بنك أو دولة، حتى إذا لم تكن هذه الجهة أمريكية ولا تستخدم الأراضي الأمريكية. ومن خلال التهديد بحرمان المخالفين من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، تحاول واشنطن تحويل قوتها المالية إلى حصار عالمي حول إيران.
إيران تعلمت العيش داخل الحصار
لكن هذه الاستراتيجية تصطدم بحقيقة أن إيران تعلمت العيش داخل الحصار. فالعقوبات التي بدأت بعد الثورة الإسلامية لم تمنع إيران من تطوير صناعة نفطية وصاروخية وعسكرية، ولم تقطع علاقاتها التجارية مع آسيا. وحتى العقوبات الأشد التي فُرضت خلال الفترة من 2010 إلى 2012، والتي دفعت بنوكًا إيرانية إلى خارج النظام المالي الدولي وضغطت على مشتري النفط، لم تُنهِ قدرة النظام على البقاء. ثم جاء الاتفاق النووي لعام 2015 ليثبت أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يدفع طهران إلى التفاوض، لكنه لا يعني بالضرورة قدرتها على تغيير بنيتها السياسية أو التخلي عن أدوات قوتها الإقليمية.
والآن تأتي عملية ترامب الجديدة في ظروف أكثر صعوبة. فالإدارة الأمريكية تحاول استخدام الاقتصاد لتحقيق ما لم تستطع الحرب تحقيقه، بعد نحو ستة أشهر من المواجهة. وهذا في حد ذاته يكشف تحولًا في الحسابات الأمريكية: فبدلًا من الاعتماد على الضربات العسكرية وحدها، تريد واشنطن خنق قدرة إيران على تمويل الحرب وإعادة بناء قوتها والحفاظ على شبكاتها الخارجية.
لكن المشكلة أن الحرب الاقتصادية تحتاج إلى تعاون دولي حتى تنجح.
يمكن للولايات المتحدة أن تمنع الشركات الأمريكية من شراء النفط الإيراني، لكنها لا تستطيع وحدها منع الصين من شراءه. ويمكنها معاقبة بنك إيراني، لكنها لا تستطيع بمفردها إغلاق كل حسابات إيران في آسيا. ويمكنها ملاحقة ناقلات “أسطول الظل”، لكن التجارة تستطيع تغيير أعلام السفن ومساراتها وملكيتها ووسطائها. وكلما توسعت واشنطن في ملاحقة هذه الشبكات، أصبحت عملية الالتفاف عليها أكثر تعقيدًا، لكنها لا تختفي.
ولهذا فإن الرهان الأمريكي الحقيقي هو على الخوف، وليس على الإغلاق الكامل.
إذا اقتنعت شركة صينية أو هندية أو تركية بأن التعامل مع إيران قد يحرمها من الوصول إلى السوق الأمريكية أو النظام المالي بالدولار، فقد تنسحب حتى لو كانت تجارتها مع إيران قانونية في بلدها. وهذه القوة الهائلة التي تملكها واشنطن لا تأتي من حجم العقوبات المفروضة على إيران وحدها، وإنما من قدرة الولايات المتحدة على جعل شركات العالم تفكر مرتين قبل التعامل مع طهران.
لكن هذا السلاح له حدود أيضًا. فكلما استخدمته واشنطن على نطاق أوسع، زادت الحوافز أمام خصومها وشركائها القلقين من سياساتها لبناء طرق بديلة للتجارة. وهذا ما بدأ يظهر منذ سنوات في العلاقات بين الصين وروسيا وإيران، من خلال استخدام العملات المحلية، وتطوير قنوات دفع خارج النظام المالي الغربي، وإنشاء شبكات نقل وشحن وتأمين أكثر قدرة على تجاوز العقوبات.
وبالتالي، فإن كل جولة جديدة من العقوبات تحقق هدفًا أمريكيًا قصير الأجل، لكنها قد تساهم في الوقت نفسه في تقليص النفوذ الأمريكي طويل الأجل على النظام التجاري العالمي.
واشنطن تتعامل بحذر شديد مع الصين
وهنا تظهر مفارقة أخرى أكثر أهمية: إيران ليست وحدها التي تتعرض للاختبار. الصين أيضًا تواجه اختبارًا أمام الولايات المتحدة. فإذا تراجعت بكين، وأوقفت أو خفضت مشترياتها من النفط الإيراني تحت الضغط الأمريكي، فستكون واشنطن قد أثبتت أن قوتها المالية تستطيع فرض إرادتها حتى على ثاني أكبر اقتصاد في العالم. أما إذا رفضت الصين، وأصرت على مواصلة تجارتها مع طهران، فإن عملية “المنبوذ الاقتصادي” ستتحول إلى مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وبكين حول من يضع قواعد التجارة العالمية.
ولذلك تتعامل واشنطن بحذر شديد مع الصين. فوزير الخزانة سكوت بيسنت قال إن “لا أحد فوق نطاق العقوبات الأمريكية”، لكنه تجنب في المرحلة الأولى استهداف المؤسسات المالية الصينية الكبرى، مدركًا أن مثل هذه الخطوة قد تهز النظام المالي العالمي وتفتح مواجهة يصعب احتواؤها. وقد أقر بيسنت نفسه بالمخاطر التي ينطوي عليها استهداف الصين بصورة مباشرة.
وهذا التردد الأمريكي مهم للغاية؛ لأنه يعني أن استراتيجية الخنق الاقتصادي لها سقف سياسي. فكلما اقتربت واشنطن من الشريان الذي يبقي الاقتصاد الإيراني حيًا، اقتربت من مصالح الصين، وكلما اقتربت من البنوك الصينية، زاد خطر انتقال الحرب الاقتصادية من طهران إلى النظام المالي العالمي نفسه.
أما داخل إيران، فالوضع أكثر صعوبة بكثير. فالاقتصاد الإيراني يعاني أصلًا من تضخم شديد وانهيار في قيمة العملة وتراجع القدرة الشرائية. وقد سجل الريال، الثلاثاء، مستوى قياسيًا جديدًا أمام الدولار، فيما بلغ تضخم الغذاء مستويات هائلة، وهو ما يعني أن المجتمع الإيراني يدخل هذه الجولة الجديدة من العقوبات وهو في وضع اقتصادي هش للغاية.
لكن ضعف الاقتصاد لا يعني بالضرورة ضعف النظام. وهذه نقطة ينبغي ألا تغيب عن الحسابات الأمريكية. فالنظام الإيراني يستطيع أن ينقل جزءًا كبيرًا من تكلفة العقوبات إلى المواطنين، وأن يعطي الأولوية للعملات الأجنبية والوقود والمواد الأساسية والإنفاق العسكري، وأن يستخدم شبكاته الاقتصادية غير الرسمية للحفاظ على تدفق الموارد إلى المؤسسات الأكثر أهمية بالنسبة إليه.
بل إن الضغط الخارجي قد يؤدي إلى نتيجة سياسية معاكسة لما تريده واشنطن. فكلما شعر النظام الإيراني بأن الحرب الاقتصادية تستهدف بقاءه نفسه، زادت قدرته على تعبئة مؤسساته الأمنية والعسكرية تحت شعار مواجهة “الحرب الأمريكية”، وقد تصبح التسوية السياسية أصعب بدلًا من أن تصبح أسهل.
كما أن طهران لا تزال تملك أوراقًا للرد، أهمها النفط ومضيق هرمز. وقد حذر مسؤولون إيرانيون من أن انضمام دول المنطقة إلى الحملة الاقتصادية الأمريكية يمكن أن يؤدي إلى منع صادرات النفط من الخليج ومضيق هرمز. وإذا تحولت هذه التهديدات إلى إجراءات فعلية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مشكلة جديدة: العقوبات التي تهدف إلى خفض إيرادات إيران يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، بما يفرض تكلفة على الاقتصاد الأمريكي وحلفائه أيضًا.
وهنا يصبح السؤال الأساسي: من يستطيع تحمل الاستنزاف لفترة أطول؟
ترامب يراهن على أن الاقتصاد الإيراني أضعف من أن يتحمل مزيدًا من الضغط. وإيران تراهن على أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يستطيعون تحمل تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية لحرب مفتوحة. أما الصين فتملك مصلحة في منع أي من الطرفين من تحقيق انتصار كامل إذا كان ذلك سيؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة أو النظام المالي.
لذلك فإن عملية “المنبوذ الاقتصادي” ليست حصارًا تقليديًا، وإنما محاولة لإعادة تشكيل شبكة العلاقات الاقتصادية المحيطة بإيران. واشنطن لا تريد فقط أن تمنع طهران من بيع النفط؛ إنها تريد أن تجعل شراء النفط الإيراني أو نقله أو تمويله أو تأمينه أو حتى توفير التكنولوجيا له، مخاطرة لا تستحقها الشركات الأجنبية.
وإذا نجحت في ذلك، فإن إيران ستواجه أزمة حقيقية في قدرتها على تحويل مواردها إلى أموال قابلة للاستخدام الدولي. أما إذا فشلت، فستثبت التجربة مرة أخرى أن العقوبات، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها إسقاط دولة تمتلك شركاء اقتصاديين كبارًا وإرادة سياسية للالتفاف عليها.
والأرجح أن المعركة لن تُحسم بسرعة. فالولايات المتحدة تملك السلاح المالي الأقوى في العالم، بينما تمتلك إيران خبرة طويلة في مقاومة العقوبات، وتمتلك الصين القدرة الاقتصادية على توفير منفذ رئيسي لها. وبين هذه القوى الثلاث، تتحول الحرب الاقتصادية إلى لعبة صبر: واشنطن تريد أن تجعل تكلفة البقاء في النظام الإيراني أعلى من تكلفة التنازل، وطهران تريد أن تجعل تكلفة إسقاطها أعلى من قدرة الولايات المتحدة على التحمل، وبكين تريد حماية مصالحها من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
وهكذا، فإن “المنبوذ الاقتصادي” قد يسبب أضرارًا بالغة لإيران، وربما يدفع اقتصادها إلى مستويات أكثر خطورة من الأزمة، لكنه لا يضمن وحده سقوط النظام. فالعقوبات تستطيع خفض الإيرادات، وإضعاف العملة، ورفع الأسعار، وخنق الاستثمار؛ لكنها لا تستطيع بمفردها تحديد اللحظة التي يقرر فيها نظام سياسي أن يتنازل عن السلطة.
وهذا هو الدرس الذي يبدو أن واشنطن لم تتعلمه بالكامل من تجربة العقوبات السابقة: إضعاف الاقتصاد ليس هو نفسه إسقاط النظام. وما لم تستطع الولايات المتحدة إقناع الصين وشركاء إيران الآخرين بإغلاق المنافذ التي بقيت مفتوحة، فقد تجد نفسها أمام اقتصاد إيراني أكثر فقرًا، لكنه لا يزال قادرًا على البقاء، ونظام أكثر تشددًا، وحرب اقتصادية طويلة لا تقل كلفة عن الحرب العسكرية التي سبقتها.


