حصار مضيق هرمز وقرار روسيا في أوائل يوليو بوقف جميع شحنات الديزل إلى الخارج يعطلان سوق الديزل العالمي.
لا راحة لسائقي السيارات.. مع اقتراب نهاية الصيف، تستمر أسعار الوقود في الارتفاع، وخاصةً الديزل. وفقًا لبيانات الاتحاد الفرنسي لصناعات البترول (UFIP) بلغ متوسط سعر لتر الديزل 2.23 يورو خلال الأسبوع الذي بدأ في 17 أغسطس، ما يمثل زيادة أسبوعية بأكثر من 3 سنتات، بينما بلغ سعر بنزين SP95 ما يزيد قليلًا عن 2 يورو.
وهكذا، تقترب أسعار الوقود من المستويات التي بلغتها في الربيع، في ذروة أزمة الشرق الأوسط (2.31 يورو للتر الواحد من الديزل في أوائل أبريل). في بداية يوليو، انخفض سعر الديزل إلى 1.86 يورو للتر الواحد بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. وفي الوقت نفسه، ومع تصاعد الصراع مجددًا، قفز السعر بمقدار 37 سنتًا.
ذكر تحليل لصحيفة “لوموند، أن التوترات المتجددة تُؤجّج هذا الارتفاع الحاد في الأسعار، إذ تُعطّل مجددًا حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي للتجارة العالمية في النفط الخام ومشتقاته، كالديزل والكيروسين. وقد انخفض سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، لفترة وجيزة إلى ما دون 70 دولارًا (حوالي 60 يورو)، ليحوم الآن حول 93 دولارًا. وتشهد أسعار المنتجات المكررة ارتفاعًا أسرع. ففي سوق الجملة في روتردام بهولندا، يُباع طن الديزل الآن بأكثر من 1250 دولارًا، بزيادة تتجاوز 45% منذ وقف إطلاق النار، و70% منذ بدء النزاع قبل ستة أشهر.
لكن أزمة الديزل لا ترتبط بالنفط الخام وحده. فالمشكلة الأساسية تكمن في قدرة المصافي على تحويل الخام إلى منتجات مكررة، وفي مقدمتها الديزل. وقد أصبح هذا القطاع أكثر هشاشة خلال السنوات الأخيرة بسبب إغلاق عدد من المصافي في أوروبا والولايات المتحدة، في وقت ظل فيه الطلب على وقود النقل والشحن والزراعة والصناعة مرتفعًا. وبالتالي، فإن أي اضطراب محدود في الإمدادات يمكن أن يؤدي إلى قفزة كبيرة في الأسعار.
وتأتي الحرب في أوكرانيا لتضيف عاملًا آخر إلى هذا الضغط. فقد تعرضت المصافي الروسية خلال الأشهر الماضية لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة الأوكرانية، ما أدى إلى خروج جزء مهم من طاقة التكرير الروسية من الخدمة. ونتيجة لذلك، بدأت روسيا نفسها تواجه نقصًا في الوقود، واضطرت إلى اتخاذ إجراءات لحماية سوقها المحلية، في مقدمتها وقف صادرات الديزل. وكانت موسكو قد فرضت في 8 يوليو حظرًا على صادرات الديزل، قبل تمديد القيود لاحقًا. كما أعلنت الحكومة الروسية أنها قد تحتاج إلى استيراد بعض المنتجات النفطية لتلبية احتياجات السوق المحلية.
روسيا ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة
وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى السوق العالمية. فروسيا هي ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة، وبالتالي فإن خروج كميات روسية كبيرة من السوق لا يعني ببساطة أن المشترين الأوروبيين سيبحثون عن مورد آخر. فعندما تختفي ملايين البراميل من السوق، تبدأ الدول المستوردة في التنافس على الكميات المتاحة من الولايات المتحدة والشرق الأوسط والهند وآسيا، وهو ما يرفع الأسعار للجميع. وقد انخفضت صادرات الديزل والغاز أويل الروسية إلى الخارج في يوليو بصورة حادة، لتصل إلى نحو 157 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 471 ألف برميل يوميًا في يونيو، وفق تقديرات مجموعة «سي إيه إس».
وقد ظهر تأثير هذا النقص سريعًا في حوض البحر المتوسط. فتركيا، التي كانت من كبار المشترين للديزل الروسي، اضطرت إلى البحث عن مصادر بديلة، بينما أصبحت دول أخرى في شمال أفريقيا وغربها أكثر تعرضًا لتداعيات القرار الروسي. وكانت صادرات الغاز أويل الروسية إلى أفريقيا قد بلغت نحو 330 ألف برميل يوميًا في يونيو، قبل أن تهبط إلى حوالي 110 آلاف برميل يوميًا فقط في يوليو حتى ذلك الوقت. وهذا الانخفاض يضع الدول الأفريقية المستوردة أمام خيار صعب: دفع أسعار أعلى للحصول على شحنات بديلة أو تقليص الاستهلاك.
وتزداد حساسية الوضع لأن أزمة روسيا تأتي في اللحظة نفسها التي تتعرض فيها إمدادات الشرق الأوسط لاضطراب كبير. فقبل الحرب، كانت أوروبا تعتمد على الشرق الأوسط في جزء مهم من وارداتها من الديزل، لكن إغلاق أو تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أدى إلى اختفاء كميات كبيرة من السوق. وتشير تقديرات «إس آند بي غلوبال» إلى أن أوروبا تستورد عادة ما يقرب من مليون برميل يوميًا من الديزل لتغطية احتياجاتها، وكانت تحصل قبل النزاع على نحو 27% من وارداتها من الشرق الأوسط، باستثناء التدفقات داخل أوروبا نفسها.
السوق الأوروبي عالق بين صدمتين في وقت واحد
وبذلك أصبح السوق الأوروبي عالقًا بين صدمتين في وقت واحد: نقص المنتجات القادمة من الشرق الأوسط بسبب الحرب في إيران واضطراب الملاحة في الخليج، وتراجع الإمدادات الروسية بسبب الحرب في أوكرانيا والهجمات على المصافي. وهذه هي المرة التي تتزامن فيها أزمتان جيوسياسيتان تؤثران في المنتج نفسه وفي المناطق نفسها تقريبًا، ما يجعل تعويض النقص أكثر صعوبة.
وتكمن الخطورة في أن الديزل ليس مجرد وقود للسيارات. فهو الوقود الذي تعتمد عليه الشاحنات التي تنقل السلع، والجرارات التي تحرث الأراضي وتحصد المحاصيل، وآلات البناء والمعدات الصناعية، كما يستخدم في قطاعات من توليد الكهرباء. ولذلك فإن ارتفاع سعره لا يتوقف عند محطة الوقود، وإنما ينتقل تدريجيًا إلى تكلفة نقل الغذاء والسلع والخدمات. وقد حذرت تحليلات السوق من أن ارتفاع أسعار الديزل يمكن أن يضيف ضغوطًا جديدة على التضخم العالمي، في وقت لا تزال فيه اقتصادات كثيرة تكافح لاحتواء ارتفاع تكاليف المعيشة.
والأمر اللافت أن ارتفاع أسعار الديزل يأتي رغم أن سعر النفط الخام لا يتحرك بالوتيرة نفسها. وهذه الظاهرة تكشف الفرق بين سوق الخام وسوق المنتجات المكررة. فالمصافي تحتاج إلى الخام، لكن وجود الخام في السوق لا يعني بالضرورة توافر الديزل. وإذا تعطلت المصافي أو ارتفعت تكلفة نقل الخام أو انخفضت طاقة التكرير، يمكن أن يقفز سعر الديزل حتى لو بقيت أسعار النفط تحت السيطرة نسبيًا.
وهذا ما يفسر القفزة الكبيرة في سوق الجملة الأوروبية. فبحسب بيانات السوق، ارتفعت هوامش تكرير الديزل في أوروبا إلى مستويات قياسية في يوليو، فيما تجاوز سعر الديزل الفعلي في سوق روتردام ألف دولار للطن بفارق كبير، مدفوعًا بتراجع الإمدادات الروسية واضطراب تدفقات الشرق الأوسط. وفي 13 يوليو، بلغ هامش الديزل الأوروبي القياسي نحو 70.3 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ مارس، في مؤشر واضح على شدة نقص المنتجات المكررة.
الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دور المورد البديل لأوروبا
كما أن الولايات المتحدة، التي يمكن أن تلعب دور المورد البديل لأوروبا وأمريكا اللاتينية، ليست في وضع يسمح لها بزيادة صادراتها بلا حدود. فارتفاع الطلب الخارجي على الديزل يؤدي إلى سحب كميات من المخزونات الأمريكية، في وقت كانت فيه هذه المخزونات منخفضة أصلًا. وإذا اضطرت المصافي الأمريكية إلى زيادة إنتاج الديزل على حساب منتجات أخرى، فقد تنتقل الضغوط من سوق إلى أخرى بدلًا من أن تختفي.
وقد بدأت بالفعل عملية إعادة رسم لخريطة تجارة الديزل العالمية. فالبرازيل، على سبيل المثال، يمكن أن تلجأ بصورة أكبر إلى الولايات المتحدة لتعويض تراجع الواردات الروسية، بينما تتجه تركيا إلى الهند ومصادر أخرى. أما أوروبا، التي كانت تعتمد على شبكة واسعة من الموردين، فتجد نفسها مضطرة إلى المنافسة على الشحنات المتاحة في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. وكلما طال أمد الحرب في الشرق الأوسط واستمرت الهجمات على المصافي الروسية، أصبحت عملية إعادة توجيه هذه التدفقات أكثر تكلفة.
خطر يمتد إلى الخريف
المشكلة، بالنسبة إلى الأسواق، أن الأزمة قد لا تكون مؤقتة. فحتى إذا هدأت التوترات في مضيق هرمز، فإن عودة حركة التجارة إلى طبيعتها لن تكون فورية. وستحتاج المصافي في المنطقة إلى استعادة إنتاجها، كما تحتاج سلاسل الإمداد والشحن والتأمين إلى وقت لإعادة تنظيمها. وفي المقابل، فإن الأضرار التي لحقت بمصافي النفط الروسية نتيجة الهجمات الأوكرانية قد تستغرق وقتًا أطول لإصلاحها، خصوصًا إذا استمرت الهجمات.
وقد قررت موسكو تمديد بعض قيود تصدير الوقود، في وقت تواجه فيه مصافيها صعوبات مرتبطة بالهجمات وبأعمال الصيانة. وتكشف هذه السياسة عن مفارقة نادرة: روسيا، التي اعتادت أن تكون من أكبر موردي المنتجات النفطية إلى الأسواق العالمية، أصبحت مضطرة إلى إعطاء الأولوية لسوقها المحلية، بل وإلى البحث عن واردات من المنتجات المكررة لتغطية احتياجاتها.
وبالنسبة إلى المستهلك الأوروبي، فإن هذا يعني أن نهاية الصيف لن تكون بالضرورة نهاية أزمة الوقود. فقد يكون الخريف أكثر صعوبة إذا تزامن ارتفاع الطلب الموسمي مع استمرار القيود الروسية واضطراب تدفقات الشرق الأوسط. وتصبح المسألة أكثر حساسية في حال انخفاض درجات الحرارة وارتفاع الطلب على وقود التدفئة، أو إذا أدت اضطرابات جديدة في قطاع الطاقة إلى زيادة المنافسة على المنتجات المكررة.
وفي فرنسا تحديدًا، تنتقل هذه الضغوط الدولية إلى المستهلك بصورة مباشرة. فكل زيادة في سعر الديزل تؤثر في سائقي السيارات، لكنها تؤثر أيضًا في شركات النقل وفي تكلفة توزيع المواد الغذائية والسلع. ومع ارتفاع تكلفة الشحن البري، يمكن أن تظهر آثار الزيادة في أسعار العديد من المنتجات، حتى تلك التي لا علاقة مباشرة لها بالطاقة.
ومن هنا، فإن ما يحدث في مضيق هرمز وفي المصافي الروسية لا يبقى محصورًا في الشرق الأوسط أو شرق أوروبا. إنه يتحول إلى أزمة عالمية في أحد أهم المنتجات النفطية التي تقوم عليها حركة الاقتصاد. فالحرب الأولى تعطل الإمدادات من الجنوب، والحرب الثانية تقلص الإنتاج والتصدير من الشمال، وبينهما يجد سوق الديزل نفسه أمام معادلة نادرة: طلب مستمر، وقدرة تكرير محدودة، وشبكة إمدادات تتعرض لضربات متزامنة.
وهذا هو السبب في أن سعر الديزل يمكن أن يواصل ارتفاعه حتى في حال تراجع سعر النفط الخام. فالسوق لا تسعر فقط قيمة البرميل الموجود تحت الأرض، وإنما تسعر أيضًا تكلفة تحويله إلى وقود، ونقله، وتأمينه، والحصول عليه في الوقت المناسب. وطالما بقيت الحروب تضرب هذه الحلقات واحدة تلو الأخرى، فلن يكون من السهل على الأسواق استعادة الهدوء.
وبعبارة أخرى، لم تعد أزمة الديزل أزمة أسعار نفط فحسب، بل أصبحت أزمة أمن إمدادات. وإذا استمرت الحرب في الشرق الأوسط، وظلت روسيا تواجه نقصًا داخليًا وتمنع صادراتها، فقد تدخل السوق العالمية مرحلة أكثر توترًا خلال الأشهر المقبلة، يكون فيها الديزل أحد أهم المؤشرات على الثمن الاقتصادي المتزايد للحروب الممتدة من الخليج إلى البحر الأسود.


