أكد الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد أشرف أن حركة التجارة وأسواق الطاقة الدولية ترتكز على شبكة متصلة من الممرات الملاحية الاستراتيجية لا يمكن فصل مساراتها أو عزل تأثيراتها المتبادلة.
وأوضح أن أي اضطراب أو تهديد في مضيق هرمز يمتد أثره المباشر والفوري إلى قناة السويس ومنظومة النقل اللوجستي بين الشرق والغرب، ليعيد تشكيل أسعار النفط، تكاليف الشحن، ومعدلات التضخم العالمي بصورة فورية وتراكمية.

شريان الطاقة العالمي ومحدودية البدائل في مضيق هرمز
أوضح أحمد أشرف أن مضيق هرمز يستحوذ على تدفق نحو 20 إلى 21 مليون برميل نفط يوميًا، ما يعادل قرابة 20% من إجمالي الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية وأكثر من 25% إلى 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، فضلًا عن استيعابه لنحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) عالميًا، وتحديدًا الشحنات المصدرة من دولة قطر إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
شدد على أن خطوط الأنابيب البرية الالتفافية الحالية — مثل خط أنابيب ‘شرق – غرب’ السعودي (بترولاين) بطاقة 5 إلى 7 ملايين برميل يوميًا، وخط أنابيب ‘حبشان – الفجيرة’ الإماراتي بطاقة 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا — لا تستوعب سوى جزء محدود من الإمدادات، مما يبقي أكثر من 70% من النفط الخليجي تحت طائلة المخاطر والحصار داخل الخليج في حال حدوث أي شلل كلي أو تعطل ملاحي.
صدمة الأسعار وتكاليف الحرب الخفية
صرح أحمد أشرف بأن أسواق الطاقة تسعر التهديدات والتوترات عبر إضافة فورية لـ ‘علاوة مخاطر جيوسياسية’ تتراوح بين 5 إلى 15 دولارًا للبرميل بمجرد تصاعد التوتر، مع إمكانية قفز خام برنت ليكسر حاجز 100 إلى 150 دولارًا للبرميل في سيناريوهات التعطل الجزئي أو الإغلاق الشامل للمضيق.
نبه إلى أن التكلفة الاقتصادية لا تتوقف عند سعر البرميل الخام، بل يواكبها انفجار في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب (War Risk Premiums) لتقفز من 0.05% إلى أكثر من 1% من قيمة السفينة وحمولتها، إلى جانب قفزات أسعار نولون الشحن لناقلات النفط العملاقة (VLCCs)، وهي تكاليف إضافية باهظة تُحمل بالكامل على سعر المنتج النهائي للمستهلك حول العالم.
محور قناة السويس وشريان ‘سوميد’ في معادلة الأزمة
أكد أحمد أشرف أن قناة السويس تمثل الامتداد الحيوي الحاكم لتدفقات الطاقة المنقولة بحرًا؛ حيث تعبر من خلالها ما بين 8% إلى 10% من تجارة النفط والمشتقات العالمية ونحو 12% من إجمالي حركة التجارة الدولية.
أوضح أنه في سيناريوهات التوتر بمضيق هرمز، يبرز التكامل الحيوي بين خط أنابيب ‘شرق – غرب’ السعودي الواصل للبحر الأحمر وممر قناة السويس بالتوازي مع خط أنابيب ‘سوميد’ المصري (بطاقة استيعابية 2.5 مليون برميل يوميًا بين العين السخنة وسيدي كرير)؛ حيث يشكل هذا المسار شريان الإنقاذ اللوجستي الوحيد لنقل النفط الخليجي إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية دون الحاجة للالتفاف المكلف حول إفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، الذي يضيف من 10 إلى 15 يومًا في زمن الرحلة البحرية ويرفع استهلاك الوقود والانبعاثات بنسبة تتجاوز 30% إلى 40%.
أشار إلى أن سلامة الملاحة في قناة السويس وحصيلة عوائدها من النقد الأجنبي تظلان مرتبطتين طرديًا باستقرار الممرات المحيطة (هرمز في الشرق وباب المندب في الجنوب)؛ وأي شلل في صادرات الخليج ينعكس تلقائيًا على حركة الحمولات الصافية العابرة.
خريطة الرابحين والخاسرين دوليًا
أكد أحمد أشرف أن الصراع في الممرات المائية يُعد معادلة ذات محصلة سالبة للاقتصاد الدولي (Negative-Sum Game)، إلا أنه يعيد توزيع المكاسب لصالح منتجين بديلين من خارج منطقة النزاع.
و تستفيد شركات النفط الصخري والغاز الطبيعي المسال الأمريكية، والمنتجون في روسيا، كندا، النرويج، والبرازيل، عبر تعظيم حصصهم السوقية وبيع إنتاجهم بأسعار استثنائية دون التعرض لمخاطر أمنية أو أعباء تأمينية حربية.
وتتكبد الاقتصادات الصناعية الآسيوية الكبرى (الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية) الخسارة الكبرى لاستيرادها أكثر من 70% إلى 80% من احتياجاتها النفطية عبر هرمز، تليها دول الاتحاد الأوروبي والأسواق الناشئة التي تعاني من اتساع عجز الموازين التجارية، تآكل الاحتياطيات النقدية، وضغوط تراجع العملات المحلية.
التداعيات على الاقتصاد الكلي والسياسات النقدية
وحذر أحمد أشرف من أن صدمة أسعار الطاقة تُعيد إشعال موجات تضخمية فورية تمس أسعار الوقود وتوليد الكهرباء ومصاريف الشحن وسلاسل إمداد السلع الغذائية والصناعية.
و نبه إلى أن الضغوط التضخمية تجبر البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، على تجميد مسار خفض أسعار الفائدة والتمسك بالسياسات النقدية المتشددة لفترات أطول، مما يرفع تكلفة الاقتراض عالميًا ويعرقل وتيرة تعافي النمو الاقتصادي الدولي.
مأزق قانوني واقتصادي لسيناريو فرض رسوم العبور
شدد أحمد أشرف على أن أي محاولة لفرض رسوم مالية على عبور السفن والناقلات في مضيق هرمز بعد انتهاء العمليات العسكرية ستصطدم بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS 1982)، التي تكفل حق ‘المرور العابر’ الحر دون عوائق مالية أو سيادية غير مبررة.
أكد أن فرض مثل هذه الرسوم سيتحول إلى ‘ضريبة لوجستية دائمة’ تُضاف إلى سعر البرميل وتفقد النفط الخليجي جزءًا من ميزته السعرية التنافسية، مما يدفع الدول المستوردة للبحث عن بدائل ويعجل بالاستثمار في خطوط أنابيب التفافية برية ومسارات طاقة بديلة.
وأكد أحمد أشرف، ضرورة رفع الدول المستوردة لطاقتها التخزينية لامتصاص صدمات انقطاع الإمدادات الفورية لمدد تتراوح بين 60 إلى 90 يومًا دون ارتباك في الأسواق المحلية.
تقليل الاعتماد على ممر جغرافي واحد وتوسيع العقود الآجلة مع منتجين في غرب إفريقيا والأمريكتين وحوض بحر قزوين.
تسريع التوسع في صهاريج التخزين العملاقة خارج مضائق الاختناق، خصوصًا في المراكز الاستراتيجية على البحر الأحمر وخليج عُمان.
خطط التحول الطاقي والاستدامة العالمية
ولفت إلى أن الخوف من نقص الإمدادات الفوري يدفع بعض الدول لإعادة تشغيل محطات الفحم وزيادة استهلاك المشتقات الثقيلة، مما يعطل مستهدفات الحياد الكربوني في المدى القصير، وعلى المدى المتوسط والبعيد، تُشكل صدمات الأسعار والارتهان للمضائق المهددة دافعًا أمنيًا واستراتيجيًا لتسريع مشاريع الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر لتقليص التب
أمن الطاقة مرادف لأمن الممرات
اختتم أحمد أشرف تحليله بالتأكيد على أن مفهوم أمن الطاقة لم يعد مقتصرًا على حجم الاحتياطيات في الحقول والآبار، بل أصبح مرتبطًا عضويًا بسلامة الممرات المائية والمضائق البحرية، مشيرًا إلى أن منظومة التكامل بين مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وقناة السويس، وخط سوميد ستظل الركيزة الاستراتيجية التي تتحدد على أساسها معادلات تسعير الطاقة، معدلات التضخم، وتكلفة المعيشة للمستهلكين في كافة دول العالم.


