
تتحرك الدولة خلال السنوات الأخيرة نحو توسيع قاعدة الإنتاج الزراعي، لزيادة قدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلية من المحاصيل الاستراتيجية، من خلال استصلاح أراضٍ جديدة، ورفع إنتاجية الفدان، وتطبيق أساليب الزراعة الحديثة، وزيادة الاستثمارات الموجهة إلى القطاع الزراعي، بما يعزز قدرة الاقتصاد على توفير الخامات اللازمة للصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
ويظهر أثر هذا التوجه بصورة واضحة في عدد من المحاصيل التي ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والصناعات الغذائية، ويأتي بنجر السكر في مقدمتها، باعتباره أحد المصادر الرئيسية لإنتاج السكر محليًا، حيث يرتبط التوسع في زراعته بصورة مباشرة بزيادة كميات الخامات المتاحة أمام مصانع السكر، ودعم قدرتها على تلبية احتياجات السوق.
الزراعة التعاقدية
تمثل الزراعة التعاقدية أحد المحاور الرئيسية في تطوير زراعة المحاصيل التصنيعية، من خلال ربط المزارع مسبقًا بالجهة التي تتولى استلام المحصول وتصنيعه، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في حالة بنجر السكر، نظرًا لارتباط الإنتاج باحتياجات مصانع السكر.
وتساعد هذه المنظومة على تنظيم المساحات المزروعة وفق الاحتياجات الإنتاجية للمصانع، كما تمنح المزارع إطارًا أكثر وضوحًا لعملية الزراعة والتوريد، إلى جانب الخدمات والحوافز المرتبطة بالتعاقد وجودة المحصول ومواعيد التوريد.
وتعمل وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على دعم وتنظيم منظومة الزراعة التعاقدية، بما يعزز التنسيق بين المزارعين والمصانع، ويساعد على توجيه الإنتاج إلى قنوات التصنيع المحددة، بما يربط مراحل الإنتاج الزراعي بعملية التصنيع في إطار أكثر تكاملًا.
أراضٍ جديدة للإنتاج
بالتوازي مع تطوير منظومة الزراعة والتوريد، نجح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في تنفيذ مشروعات ضخمة لاستصلاح الأراضي، وتحويل مساحات كبيرة من الأراضي الصحراوية إلى مناطق إنتاج زراعي مجهزة بالبنية الأساسية اللازمة للتشغيل، بما يوسع قاعدة الأراضي القابلة للزراعة ويخلق فرصًا جديدة أمام الاستثمارات الزراعية.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية اقتصادية تتجاوز زيادة المساحات المزروعة، إذ إن تجهيز الأراضي الجديدة وتوفير شبكات الري والطرق والخدمات والبنية الأساسية المرتبطة بالإنتاج يساهم في خفض التحديات التي تواجه المستثمر عند الدخول إلى الأراضي الجديدة، ويمنح شركات القطاع الخاص فرصة أكبر لتوجيه استثماراتها نحو الإنتاج الزراعي والتوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية والتصنيعية.
ومع اتساع قاعدة الأراضي المستصلحة والمجهزة، تتسع في الوقت نفسه مساحة المشاركة أمام الشركات الخاصة، التي تستطيع توظيف رؤوس أموالها وخبراتها في الزراعة والإنتاج والتصنيع، بما يحول الأراضي الجديدة إلى قاعدة استثمارية وإنتاجية متنامية، ويدعم زيادة المعروض من المحاصيل التي ترتبط باحتياجات السوق والصناعات الغذائية، وفي مقدمتها بنجر السكر.
وتنعكس هذه المنظومة اقتصاديًا على أكثر من مستوى، بداية من جذب الاستثمارات إلى الأراضي الجديدة، وزيادة المساحات المنتجة، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وصولًا إلى توفير خامات محلية للصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي، بما يعزز القيمة المضافة داخل الاقتصاد ويدعم توسع القطاع الزراعي باعتباره أحد المجالات الرئيسية لجذب استثمارات القطاع الخاص.
ويمتد الدور الاقتصادي لجهاز مستقبل مصر إلى المساهمة في رسم خريطة الإنتاج الزراعي بالأراضي الجديدة، بالتنسيق مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي لتحديد احتياجات الدولة من المحاصيل الاستراتيجية والتصنيعية، ووضع خطط تستهدف توفير هذه الاحتياجات من خلال التوسع في زراعة المحاصيل ذات الأولوية، بما يجعل مشروعات الاستصلاح جزءًا من منظومة تخطيط الإنتاج، وليس مجرد زيادة في الرقعة الزراعية.
دعم مصانع السكر
تظهر النتائج الاقتصادية للتوسع في زراعة بنجر السكر بصورة أكبر عند انتقال المحصول من الحقل إلى مصانع السكر، فزيادة المساحات المزروعة، إلى جانب ارتفاع إنتاجية الأراضي الجديدة، تعني توفير كميات أكبر من بنجر السكر، بما يدعم انتظام إمدادات الخامات اللازمة للتصنيع ويساعد مصانع السكر على الاستفادة من طاقاتها الإنتاجية.
كما يؤدي ارتفاع كميات المحصول المتاحة للتصنيع إلى زيادة قدرة المصانع على إنتاج السكر، ورفع المعروض المحلي بما ينعكس على استقرار سعر السكر في الأسواق، كما تتحسن قدرة السوق على التعامل مع تقلبات الأسواق العالمية، خاصة مع ارتباط السكر باحتياجات استهلاكية وصناعات غذائية واسعة.
تقليص فجوة السكر
وقد ربطت تقارير اقتصادية بين توسع زراعة بنجر السكر وتطوير مصانع السكر وبين تراجع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وهو ما انعكس على توافر المنتج واستقرار السوق خلال الفترة الأخيرة، وتدعم الدولة هذا الاتجاه من خلال تنظيم سوق السكر وربط الإنتاج باحتياجات السوق المحلية، مع السماح بتصدير الكميات التي تتجاوز الاحتياجات المحلية وفق الضوابط المعمول بها.
وفي أغسطس 2026، صدر قرار بالسماح بتصدير السكر حتى نهاية العام، على أن تقتصر الكميات المصدرة على الفائض عن احتياجات السوق المحلية، بما يعكس ارتباط قرار التصدير بتوافر احتياجات السوق الداخلية أولًا.

