
أكد محمد محمود، الباحث الاقتصادي، أن إطلاق صندوق لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة يمثل تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع حالات التعثر الاقتصادي والصناعي في مصر، موضحًا أن فكرة الصندوق لا تقوم على مجرد توفير تمويل جديد للمصانع، وإنما تستهدف بصورة أساسية إعادة هيكلة الكيانات المتعثرة وتنظيم رأس المال وإعادة ترتيب هيكل الملكية بما يساعدها على استعادة قدرتها على العمل والإنتاج.
وقال محمود في تصريحات خاصة لـ “مصر24 نيوز” إن من النقاط المهمة في طبيعة الصندوق أنه مفتوح للاكتتاب، ولكنه ليس مطروحًا للاكتتاب العام أمام الأفراد، إذ يقتصر الاستثمار فيه على المؤسسات والشركات والكيانات المؤهلة، وهو ما يعكس طبيعة مختلفة للأداة الاستثمارية وآلية عملها.
وأضاف أن الصندوق يمثل تحولًا في مفهوم معالجة التعثرات الاقتصادية في مصر، لأن التعامل مع المصنع المتعثر لا ينبغي أن يقتصر في كل مرة على ضخ المزيد من القروض.
وأوضح أن اللجوء إلى الاقتراض الجديد ليس بالضرورة حلًا خاطئًا في جميع الحالات، لكنه في كثير من حالات التعثر قد يؤدي إلى دخول المنشأة في سلسلة جديدة من الالتزامات والقروض، بما قد ينتج عنه تعثر إضافي بدلًا من معالجة المشكلة الأساسية.
وتابع محمود: «الحل في مثل هذه الحالات يمكن أن يكون من خلال إعادة هيكلة الملكية، وتنظيم رأس المال، ووضع حلول حقيقية لأسباب التدهور الاقتصادي والمالي داخل المنشأة، بدلًا من الاكتفاء بإضافة أعباء تمويلية جديدة عليها».
وأشار إلى أن إعادة هيكلة مصنع قائم ومتعثّر قد تكون في كثير من الأحيان أقل تكلفة وأكثر جدوى اقتصاديًا من إنشاء مصنع جديد من البداية، خاصة أن المصنع القائم يمتلك بالفعل أصولًا وتجهيزات وخبرات وقدرات إنتاجية يمكن إعادة تشغيلها والاستفادة منها حال معالجة أسباب التعثر.
ووصف محمود فكرة الصندوق بأنها فكرة مبتكرة وجديدة في التعامل مع المصانع والكيانات المتعثرة، مؤكدًا أنها يجب أن تكون بداية لمسار أوسع، وليس نهاية لهذا المسار.
وقال إن رأس المال البالغ نحو مليار جنيه يمثل بداية يمكن البناء عليها، وليس نهاية المطاف، مضيفًا: «نحن بحاجة إلى مزيد من هذه الأفكار، والأهم من ذلك التوسع في تطبيقها بصورة عملية إذا أثبتت نجاحها».
ولفت الباحث الاقتصادي إلى أن الصناعة المصرية مرت خلال فترات سابقة بتحديات كبيرة تسببت في تعثر عدد من المشروعات والمصانع والشركات، مشددًا على أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة كانت من أكثر القطاعات التي تحتاج إلى أدوات جديدة للتعامل مع حالات التعثر وإعادة النشاط.
وأكد أن نجاح هذا النوع من الصناديق يمكن أن ينعكس بصورة إيجابية على الاقتصاد المصري ومؤشرات الاقتصاد الكلي، من خلال استعادة طاقات إنتاجية قائمة بدلًا من خروجها نهائيًا من السوق، والحفاظ على الاستثمارات وفرص العمل المرتبطة بها.
الصناعة المصرية تحتاج إلى إعادة بلورة
وقال محمد محمود إن الصناعة المصرية بوجه عام تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة بلورة وتطوير واضح لأولوياتها، خصوصًا فيما يتعلق بالصادرات المصرية ذات القيمة الصناعية المضافة والصادرات السلعية.
وأضاف أن الصادرات الصناعية المصرية تعد من القطاعات القادرة على لعب دور رئيسي في قيادة الاقتصاد المصري وتحقيق معدلات نمو اقتصادي أعلى، فضلًا عن قدرتها على توفير أعداد كبيرة من فرص العمل.
وأشار إلى أن زيادة الاعتماد على الإنتاج الصناعي القابل للتصدير ورفع القيمة المضافة للصادرات من شأنهما دعم قدرة الاقتصاد على النمو، بدلًا من الاعتماد فقط على أنشطة لا تحقق القيمة الإنتاجية نفسها.
وأوضح أن مسار إنشاء أدوات وصناديق متخصصة لمعالجة التعثر يقود إلى مفاهيم جديدة في إدارة المشكلات الصناعية والاقتصادية، ويتيح حلولًا تتجاوز الأساليب التقليدية التي تعتمد بصورة أساسية على التمويل والاقتراض.
وفي الوقت نفسه، شدد محمود على ضرورة عدم الاكتفاء بإطلاق الصندوق، بل يجب متابعة نتائجه بصورة دقيقة، قائلًا إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تقييم تأثير الصندوق الفعلي على الصناعة، والآليات التي ستستفيد بها المصانع منه، ومدى قدرة القطاع الصناعي المصري على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذه الأداة.
واختتم محمد محمود تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح تجربة الصندوق يمكن أن يقود إلى نقلة كبيرة في مفهوم التعامل مع التعثر في مصر، وأنه قد يفتح الباب أمام أدوات وآليات أخرى لإعادة هيكلة المصانع والمشروعات المتعثرة، بما يساهم في إعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية، والحفاظ على الشركات وفرص العمل، ودعم الصناعة باعتبارها أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي.

