اقتصاد
أبوبكر الديب
في لحظة بدت وكأنها انكسار مفاجئ في قواعد اللعبة التي حكمت سوق الطاقة العالمي لعقود طويلة وجد العالم نفسه صباح الحادي عشر من مارس امام قرار غير مسبوق قلب التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في آنٍ واحد حين اتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على تنفيذ اكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخها بضخ 400 مليون برميل من النفط في الأسواق العالمية وهي كمية لم تكن حتى اكثر مراكز التحليل جرأة تتخيلها قبل أيام قليلة فقط.
وقد جاء القرار في سياق اضطراب غير مسبوق في تدفقات الطاقة العالمية بعد ان تراجعت حركة الملاحة النفطية في مضيق هرمز الى مستويات شديدة الانخفاض الامر الذي دفع صناع القرار في الغرب الى الاعتقاد بأن السوق لم يعد يواجه مجرد تقلبات في الأسعار او موجة خوف نفسية لدى المستثمرين بل يواجه انقطاعا ماديا حقيقيا في الامدادات يمكن ان يعيد الاقتصاد العالمي الى سيناريوهات الازمات الكبرى التي عرفها في سبعينيات القرن الماضي ولهذا فإن قرار الضخ لم يكن مجرد خطوة تكتيكية لتهدئة الأسعار بل كان اشبه باستخدام سلاح اقتصادي استراتيجي يهدف الى فرض واقع جديد على معادلة العرض والطلب وعلى الحسابات السياسية للدول المنتجة للطاقة في الشرق الأوسط وروسيا.
وفي خلفية هذا المشهد كانت هناك مواجهة غير معلنة تدور بين رؤيتين مختلفتين لكيفية إدارة الازمة الأولى تمثلها المقاربة الامريكية التي يقودها المبعوث ستيف ويتكوف والتي تقوم على فكرة تحصين الاقتصاد الغربي عبر اغراق السوق بمخزونات الطوارئ حتى يتم سحب الورقة النفطية من يد الخصوم الإقليميين والثانية تمثلها المقاربة الدبلوماسية التي تحاول سلطنة عمان الدفع بها عبر وزير خارجيتها بدر البوسعيدي والتي تقوم على فكرة ان الحل الحقيقي لازمة الطاقة لا يمكن ان يتحقق من خلال استنزاف المخزونات بل من خلال إعادة الاستقرار الى ممرات الملاحة في الخليج عبر تسوية سياسية تمنع الانزلاق الى مواجهة إقليمية واسعة وبين هاتين الرؤيتين وجد العالم نفسه فجأة امام تجربة تاريخية تختبر حدود قدرة النظام الاقتصادي العالمي على الصمود امام صدمات الطاقة الكبرى اذ ان حجم الضخ الذي أعلنته وكالة الطاقة الدولية يعادل ما يقارب ثلث الاحتياطي الاستراتيجي المتاح لدى الدول الصناعية وهو ما يعني ان الغرب لم يستخدم مجرد جزء صغير من مخزون الطوارئ بل استخدم سلاحه الاقتصادي الأكبر دفعة واحدة في محاولة لاحتواء الازمة قبل ان تتحول الى كارثة اقتصادية عالمية. وفي الوقت نفسه فإن هذه الخطوة كشفت عن مستوى القلق الحقيقي داخل العواصم الغربية من احتمال تحول اضطراب الملاحة في مضيق هرمز الى اختناق دائم في شريان الطاقة العالمي حيث يمر عبر هذا المضيق ما يقارب خمس تجارة النفط في العالم ولهذا فإن تراجع تدفقاته الى اقل من عشرة في المئة من مستواه الطبيعي لم يعد مجرد تهديد نظري بل تحول الى واقع ملموس يهدد الصناعات والأسواق المالية وسلاسل الامداد العالمية وقد انعكس تأثير القرار فور صدوره على الأسواق حيث شهدت أسعار النفط واحدة من اعنف التحركات اليومية منذ سنوات بعدما تراجع سعر خام برنت من مستويات تجاوزت مئة وعشرين دولارا للبرميل الى حدود 87 دولارا خلال ساعات قليلة وهو انخفاض يعكس الى حد كبير قوة الصدمة النفسية التي ارادت الدول الصناعية توجيهها الى المضاربين والأسواق مفادها ان الغرب يمتلك ما يكفي من النفط لمواجهة الازمة لفترة طويلة غير ان هذا الانخفاض في الأسعار لم ينجح في تبديد المخاوف بالكامل داخل أوساط المحللين الذين حذروا من ان التأثير الحقيقي لقرار الضخ قد يكون مؤقتا لان المخزونات الاستراتيجية مهما بلغ حجمها تبقى موردا محدودا يمكن استنزافه خلال اشهر قليلة اذا استمر الانقطاع الفعلي في الامدادات من الخليج.
ومن هنا بدأت الأسئلة الكبرى تطرح نفسها حول ما اذا كان العالم يدخل مرحلة جديدة من الصراع الاقتصادي بين الدول المستهلكة والدول المنتجة للطاقة وهي مواجهة قد تتخذ شكل حرب استنزاف طويلة بين مخزونات الطوارئ الغربية وقدرة المنتجين على التحكم في مستويات الإنتاج والاسعار وفي قلب هذه المعادلة يبرز دور تحالف أوبك بلس الذي يراقب التطورات بحذر شديد حيث تدرك الدول المنتجة ان خطوة وكالة الطاقة الدولية تمثل تدخلا مباشرا في توازنات السوق قد يؤدي الى تقليص العائدات النفطية للدول المنتجة في وقت تعتمد فيه ميزانياتها الوطنية بشكل كبير على إيرادات الطاقة.
ولهذا فإن الصمت الرسمي الذي التزمت به العواصم النفطية في الساعات الأولى بعد القرار لا يعكس بالضرورة غياب رد الفعل بل يعكس مرحلة تقييم دقيقة للخيارات المتاحة امامها اذ ان بعض التقديرات داخل دوائر الطاقة تشير الى ان التحالف قد يلجأ إلى خفض طوعي مفاجئ في الإنتاج إذا استمرت الاسعار في الهبوط دون مستويات تعتبرها الدول المنتجة مقبولة لاستقرار ميزانياتها وهو سيناريو قد يقود الى مواجهة مباشرة بين استراتيجية ضخ المخزونات التي يقودها الغرب واستراتيجية خفض الانتاج التي قد يتبناها المنتجون للحفاظ على توازن السوق وفي حال تحقق هذا السيناريو فإن العالم قد يجد نفسه امام معركة اقتصادية معقدة لا تتعلق فقط بالاسعار بل بتحديد من يمتلك القدرة الحقيقية على التحكم في سوق الطاقة العالمي في السنوات المقبلة. وفي هذا السياق يكتسب البعد الاستخباراتي والسياسي للازمة أهمية خاصة لأن قرار ضخ 400 مليون برميل لا يمكن فصله عن الحسابات الاستراتيجية التي تحكم الصراع الدائر حول امن الخليج وممراته البحرية حيث ترى واشنطن ان امتلاك هامش واسع من الامدادات البديلة يمنحها حرية اكبر في التعامل مع التحديات العسكرية والأمنية في المنطقة دون الخضوع لضغوط ارتفاع الأسعار التي قد تهدد استقرار الاقتصادات الغربية وقد نقلت قنوات دبلوماسية عدة رسائل واضحة في هذا الاتجاه مفادها ان الغرب مستعد لتحمل تكلفة استنزاف جزء كبير من مخزوناته الاستراتيجية اذا كان ذلك سيؤدي الى تحييد سلاح النفط الذي يمكن ان يستخدمه خصومه كورقة ضغط سياسية واقتصادية.
غير ان هذه الاستراتيجية تطرح في المقابل مخاوف عميقة لدى بعض الوسطاء الإقليميين وفي مقدمتهم سلطنة عمان التي تخشى ان يؤدي شعور الغرب بالاطمئنان المؤقت الى تراجع الحافز السياسي للبحث عن تسوية سريعة للازمة في مضيق هرمز وهو ما قد يطيل امد التوتر العسكري في المنطقة ويزيد احتمالات استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج وهي المخاطر التي يحذر منها العديد من خبراء الطاقة الذين يرون أن المخزونات الاستراتيجية يمكن أن تعوض جزءا من النقص في الامدادات لكنها لا تستطيع حماية منشآت الإنتاج أو ضمان استمرار تدفق النفط اذا توسعت رقعة الصراع العسكري.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد العالمي اليوم لا يتعلق فقط بكمية النفط التي يمكن ضخها من الاحتياطيات بل بمدى قدرة النظام الدولي على إعادة الاستقرار الى الممرات البحرية الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في تأمين احتياجاته من الطاقة وفي هذا السياق تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد المسار الذي ستتخذه الازمة لأن نجاح استراتيجية الضخ يعتمد في نهاية المطاف على عامل الزمن فكل يوم يمر دون إعادة فتح طرق الملاحة في الخليج يعني اقتراب لحظة استنزاف المخزونات التي تستخدم اليوم كخط دفاع اول عن استقرار الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل فإن الدول المنتجة تدرك ان عامل الزمن قد يعمل أيضا لصالحها اذا نجحت في الحفاظ على تماسك تحالفاتها النفطية ومنع انهيار طويل الأمد في الأسعار وهو ما يفسر حالة الترقب التي تسود اجتماعات الطاقة الدولية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوق النفط حيث تتقاطع الحسابات الاقتصادية مع الاستراتيجيات العسكرية والدبلوماسية في مشهد يعيد التذكير بأن النفط لم يكن يوما مجرد سلعة اقتصادية بل كان دائما احد اهم عناصر القوة في النظام الدولي المعاصر.
ومن هنا يمكن القول إن قرار ضخ 400 مليون برميل لم يكن مجرد اجراء طارئ لاحتواء اضطراب مؤقت في الاسواق بل كان اعلان دخول العالم مرحلة جديدة من الصراع على امن الطاقة مرحلة تتحدد فيها ملامح التوازن بين المنتجين والمستهلكين ليس فقط عبر أرقام الإنتاج والطلب بل عبر القدرة على استخدام المخزون الاستراتيجي والتحالفات الجيوسياسية والأدوات العسكرية والدبلوماسية في معركة معقدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي العالمي لسنوات طويلة قادمة.

